ثلاثية سوريا

محمد رشدي شربجي

في روايتها الجميلة (ثلاثية غرناطة) تؤرخ رضوى عاشور لمرحلة قاسية في تاريخ العرب والمسلمين الذي طالت قساوته، وهي مرحلة سقوط غرناطة آخر قلاع العرب في الأندلس والمرحلة التي تلتها بما فيها من محاكم تفتيش وتعذيب واستيلاء على الأراضي إلى صدور قرار ترحيل جميع العرب هناك إلى المغرب. اختلفت أحلام وأوهام العرب منذ لحظة سقوط غرناطة إلى لحظة الترحيل، وهي مرحلة امتدت على مئة عام كما تقول الرواية، فهم بداية كانوا يمنون النفس أن مملكة المغرب لن تتركم لوحدهم يتعرضون للإبادة دون أن تحرك ساكنا، ثم أضيف للأماني مع مملكة المغرب الأتراك حديثي العهد بالتمكين، ثم أصبح العرب يمنون أنفسهم هناك بمملكة المغرب والأتراك وحرب تشتغل نارها بين ملوك إسبانيا والانجليز أو الفرنسيين أو الألمان، أو أخيرًا وليس أولًا، أن يحلها الله الذي لن يترك عباده يقتلون في بلاد الإسبان دون أن يتدخل ليوقف المأساة. حاولوا الاتصال مع الأتراك مرة ومع الفرنسيين ومع الانجليز وأخروا ثورتهم في الداخل مرات ومرات في انتظار الإشارة من الخارج ولم يحصل في النهاية أي من هذا وانتهى الأمر في نهاية المطاف بسفينة تقل العرب من إسبانيا إلى المغرب والركاب ينتحبون تاريخهم ويلعنون العرب والمسلمين وتآمر الأمم عليهم، ويلعنون الأرض والسماء وكل شيء.
ليست الحالة في سوريا بعيدة عن ما كانت عليه في الأندلس، فشباب سوريا الآن يركبون الموت في خفية الليل من شواطئ الاسكندرية لتقلهم شواطئ إيطاليا، وقد دخلت الثورة في نفق الاعتماد على الخارج المظلم، راهنّا على العرب والمسلمين وعلى أهل السنة والجماعة وعلى أمريكا وفرنسا وغيرها ولم يعد علينا ذلك إلا وبالًا.
السوريون تُركوا لوحدهم ليواجهوا مصيرهم، وهذا ما يجب عليهم البناء على أساسه، يستخدم النظام الكيماوي على مرأى العالم وسمعه فيعاقبون الكيماوي ويتركون النظام يستخدم أسلحة أخرى، برغم التضحيات والدمار الأسطوري إلا أن الطريق ما يزال طويلًا وقد يكون ما هو آت أصعب مما قد مضى، إلا أن يشاء الله (أولا وليس آخرًا) أن يفرج الكرب عن المظلومين، ولكن من احتمل ثلاث سنوات من القتل اليومي هو قادر على متابعة طريقه حتى تحقيق النصر والحرية (إن شاء الله).
الخارج أعلنها من زمن بعيد بوضوح لا لبس فيه، لا مصلحة له إلا مع بقاء نظام الأسد حام لإسرائيل في الخارج ومقاتل الإسلاميين في الداخل، وأنه لن يتدخل حتى لو اخترقت كل الخطوط الحمراء التي وضعها الخارج نفسه، كل هذا يحتم على الثورة ونخبها السياسية والثورية أن تزيل من استراتيجيتها وخططها أي شيء إلا الاعتماد على القوى الثورية الحية في الداخل السوري المنكوب.
انتخاب أحمد طعمة رئيسًا لحكومة مؤقتة خطوة جيدة بكل تأكيد، ولكن لا فائدة لها على الإطلاق إن لم يسرع أحمد طعمة ليعود للداخل ويجد له مستقرًا بين ألوف الثوار ومئات الكتائب المسلحة التي تحتاج جهدًا ضخمًا جدًا لضبطها. المهمة صعبة جدًا ولكنها لن تكون مستحيلة بكل تأكيد، وستسعى دول كثيرة وما يتبعها من قوى داخل سوريا لمعارضة أي جهد وطني حقيقي يستهدف الحفاظ على سوريا الدولة وبناء «جمهورية الإنسان»، ولكن العمل الحقيقي الجاد والثقة بقوة الشعب ونصر الله (أولًا وليس أخيرًا) ستثمر وستحدث الفرق ولو بعد حين.

تابعنا على تويتر


Top