بين بيتنا ووطننا

74.png

عنب بلدي – العدد 84 – الأحد 29-9-2013
بيلسان عمر
7
كثر إبداع المهندسين في البناء والعمران، وغدت منازلنا قصورًا بعد أن كانت عبارة عن خليط من الحجارة والطين، وقد تتشابه منازلنا التي يغلب على طابعها العام الاستهلاك الأعمى والتقليد، على اعتبار أن «ديكور» البيت أصبح معيارًا لقياس مدى تطور أصحابه و «عصرنتهم»، لينتقل الأفراد إلى مرحلة التنافس و «اللهاث» وراء انتقاء أفضل الزخرفات.
والسؤال الذي يطرح نفسه، تُرى هل تطورت ثقافة إدارة منازلنا بنفس المنحى الذي تطور به شكل المنزل؟ وماذا عن العلاقات الاجتماعية التي تقبع خلف الأبواب والجدران؟
ولنا أن نميز من خلال استقرائنا للواقع عدة نماذج لثقافة بيوتنا، فعندما يكون رب الأسرة على درجة من الوعي بأهمية مشاركة زوجته في إدارة المنزل، واحترام كينونة الأولاد، مع تقديم النصح واستخدام الألفاظ «المهذبة» في الأخطاء، والنظر إليها على أنها عابرة وليست ذات حجم كبير، مع الكثير من كلمات الثناء والمديح لكل عمل وخطوة جيدة، ليعزز من ثقة الجميع، ويحثهم على تقديم الأفضل، ليقدم لنا هذا المنزل صورة المنزل الديموقراطي المنشود.
بينما خلف الجدار الآخر حين يعتبر الرجل نفسه صاحب الصلاحيات والمفوض والمقدّس، وحين يغلب على تفكيره الاعتقاد بأن زوجته اعتمادية ولديها حس بالتهرب من المسؤولية، وكل اهتماماتها مركزة على مصلحتها الشخصية من لباس وماكياج وحفلات، فإنه سيلجأ إلى الحزم والشدة في اتخاذ قرارات البيت، ليترافق هذا النمط مع حالة من التمييز بين الذكر والأنثى، و «كبت» للأفراد وتهميش إلى حد كبير لهم ولحقوقهم، فهم بنظر الأب مجرد «كتل لحم فاتحة فمها بدها تاكل»، ،وتهمش إلى حد كبير، ليقدم لنا هذا المنزل صورة المنزل المستبد.
وبين البيت الديمقراطي والبيت المستبد هناك ما يمكن تسميته بالبيت النابذ، حيث يسود فيه كل أشكال النبذ والإبعاد والإقصاء، بيت قائم على الركض وراء المظاهر الشكلية –من برّا رخام ومن جوّا صخام-  تغيب عن بساطه الكلمة الطيبة، ولا تزوره العواطف النبيلة إلا –اللهم- في المناسبات، يفتقد إلى مقومات الحياة الروحية ، إذ ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فالشعور بالأمان من دواعي الاستمرار في العيش.
ونستذكر أبيات شعر للإمام علي بن أبي طالب:
لا دار للمرء بعد الموت يسكنه            إلا التي كان قبل الموت بانيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه            وإن بناها بشر خاب بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها            ودورنا لخراب الدهر نبنيها
أين الملوك التي كانت مسلطنة            حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
فكم مدائن في الآفاق قد بنيت            أمست خرابًا وأفنى الموت أهليها
فلننظر إلى بيوتنا على أية حال هي لعلنا ندرك أسباب مشكلاتنا، فالبيت ما هو إلا صورة مصغرة لوطننا الكبير.

تابعنا على تويتر


Top