تجار الحروف

84.png

عنب بلدي – العدد 84 – الأحد 29-9-2013
حنين النقري
8
تمر مختلف المناطق والمحافظات السوريّة بظروف متشابهة تقريبا من حيث الخسائر والشدة والفقر وفقد الأمن؛ تزيد أو تنقص من مكان ﻵخر لكنّها تبقى مشتركة بالخطوط الأساسية، والطبيعي أن تجد السوريين يعانون جميعًا من هذه الظروف، لكنك ستجد أيضا -وهو أمر طبيعي كذلك- البعض من المستفيدين.
الاستفادة ليست فقط من قبل اللصوص ومتسلقي السلطة وتجار السلاح والدماء والحروب -كما تبادر للبعض-، بل هي أيضًا من قبل تجار الحروف!
وهؤلاء، برأيي، أخطر من كل من سبق ذكره، إذ لا ننتبه لهم غالبًا، ويكون أثرهم أكثر ديمومة في المجتمع من أي لصوصية أخرى!
قبل أن تتحرر الكثير من المناطق، كان هناك -بالطبع- من هم ضد الثورة فيها، خوفًا، موالاة للنظام، عدم اقتناع، رغبة بالاستقرار، حفاظًا على مصالح، أو سماعًا لكلام شيخ أو جهة! بغض النظر عن السبب فقد كانوا ضد الثورة، وكانوا غالبًا ما يجاهرون بذلك إذ كانت الكفة راجحة إلى جانب النظام، وفي ذلك ما يجعل الناس يتحرزون شرورهم.
اليوم، تجدهم تغيّروا بعد تحرر مناطقهم من يد النظام وخضوعها لسطات محلية أهلية، سيلتزم البعض الصمت، البعض الآخر ربما اقتنع بأحقية الشعوب في ثوراتها، والصنف الثالث – وعنه حديثنا- سيعبر عن قناعاته السابقة بلهجة جديدة، مستفيدًا من كل شدّة وكل حصار، ومن الحراك المدني الواسع في هذه المناطق، ليدلل بها على ما يربو لنشره بين الناس!
لا قيد على كلماتك اليوم في البلدات المحررة، يمكنك عقد محاضرات وندوات ونقاشات حيث ومتى تشاء، اصدار جريدة أو مجلة أو منشور لا يحتاج منك سوى المال الكافي للطباعة، هذا يعني قدرتك على الترويج لفكرك حيث شئت، وبالطريقة التي تريد.
يستفيد تجار الحروف من كل هذا  لنشر «الإرجاف» في صفوف المدنيين، وغالبا ما يتم طرح أسئلة خبيثة في المقالات أو الخطابات أو النقاشات وترك الإجابة للسامع، ذاك الذي وافقت الأسئلة همومه وأوجاعه، وأثارت لديه لغطًا وارتباكًا فكريًا مبدئيًا، سيتم الاستفادة منه بالمزيد من الاسئلة والنقاشات لترسيخ النتيجة التي يريدون.
أسئلة من نمط: ما فوائد الثورة؟ هل أنت نادم؟ برأيك هل حققت الثورة أهدافها؟ هل ساد جو من الحرية في البلد بعد تحررها؟ هل وصل للسلطة من هم أفضل من الأسد؟ هل غيرت الثورة الناس؟ هل التعليم متجه نحو نهضة أم نحو تخلّف؟
يستفيدون من المرحلة المضطربة، مرحلة الحرب: ليقارنوها بالأوضاع المستقرة في عهد الأسد بشكل غير مباشر، العزف على أوتار مشاعر الناس وإثارة الحنين لذكرياتهم ومواضيهم، تثبيط الهمم واثارة اليأس في الصدور بمقارنة أوضاع المناطق المحررة بتلك «المترفة نعيمًا تحت سطوة الأسد»، تخيير المخاطب بالسؤال بين خيارين كلاهما فخّ، استخدام الأمثلة المضللة لبناء نتائج غير صحيحة، واستغلال سوء أحوال الناس لإثارة نقمتهم على الثورة.
لا بد للإنسان العادي الواقع تحت نار الحرب ونير الحصار أن يتأثر بكل هذا، لا بد أن يحنّ، ولا بد.. أن يندم!
ونحن هنا، من يتوجب علينا توضيح هذه الملابسات الفكرية، وإعادة النقاشات للعقل لا القلب من خلال التأكيد على نقاط أساسية، فمثلا للإجابة على سؤال «هل حققت الثورة أهدافها؟ وهل غيرت من نفوس الناس» يمكننا طرح سؤال مقابل: لم خرجت الثورة ابتداء؟ الجواب: لإسقاط النظام والدفاع عن كرامة الانسان وحريته، وفي ذلك تأمين لبيئة أفضل يمكن للإنسان أن يتغير فيها تدريجيًا؛ لكن تغيير الإنسان ليس مسؤولية الثورة الأولى، ولا ينبغي الخلط بين الثورات، وبين حركات الاصلاح الاجتماعي!
«هل وصل السلطة من هم أفضل من الأسد» لا يمكن بناء حكم من وصول بعض المتسلقين وغير المرغوب بهم للسلطة للتدليل على خطأ مبدأ الثورة ابتداء، فثورة الانسان لحريته وكرامته أمر مقدس، لكن أخطاء المنتسبين له لا تعني خطأه كمبدأ.. تمامًا كأخطاء المسلمين والإسلام بعيد عما يفعلون..
فلننتبه لما يقال.. ولنعمل عقولنا.

تابعنا على تويتر


Top