هناك حيث يموتون بصمت

119.png

لمى الديراني
غرفة بطول 4 أمتار وعرض 3 أمتار و70 روحًا تنازع بين أربعة جدران، البعض ينامون وهم واقفون وبعضهم ينام وهم على رؤوس آخرين، لا نوافذ ولا منافذ لهواء سوى أنفاس الموجودين، يتناقص الأوكسجين شيئًا فشيئًا وتتساقط الأجساد المنهكة تعذيبًا وجوعًا وقهرًا الواحد تلو الآخر كأحجار الدومينو.
جرح بسبب ضربة سوط يتفاقم ليصبح إنتانًا، ترتفع درجة حرارة الجسد المنهك وتبدأ حالة الهذيان، لا أحد من السجانين مكترث لحاله، أنين المريض يستحيل ضجيجًا يصيب باقي المعتقلين بالصمم، فأنفاسهم لوحدها كفيلة بإحداث ضجيج يرهق النفس ويضنيها، تستمر الروح في نزعها وأرواح أخرى تنتظر موتها ببطء شديد.
قصعات الطعام التي تصل للغرفة، أو ما يمكن تسميتها بقصعات طعام، تحوي أسوأ وأفسد أنواع الطعام ورغم ذلك لا تكفي الموجودين، ويتهافت المعتقلون لسد رمقهم، فالحياة داخل الجدران باتت كحياة الغاب، لا شيء يؤلم أكثر من الكفاح للبقاء حيًا مع شبح الموت الذي يخيم فوق الرؤوس كل لحظة، فالبقاء لصاحب النفس الأطول والأقوى، البقاء لمن يسبق في تناول لقمة الطعام الأخيرة.
أما الأمراض الجلدية فحدث ولا حرج، لا ماء للاستحمام ولا مكان للتبول سوى على نفسك وعلى من هم حولك، لا شمس تقتل البكتريا ولا هواء، والرطوبة العالية بسبب ضيق المكان وازدحامه تساعد على انتشار الكثير من الآفات الجلدية، ولحوم المعتقلين تنهشها سيوط السجانين والحشرات السامة والقاتلة أيضًا، ينزف الجلد، يصاب بالإنتان ويظهر العظم تحته، وما من أحد يسأل عن حاله، فيموت بصمت ولكن بعد أن يشهد تآكل جسده على قيد الحياة.
وفي غرف التحقيق، صنوف من العذاب النفسي قبل الجسدي، حبائل معلقة في سقف الغرفة، يعلق منها المعتقل ويرفع ويتلقى الضرب بالسياط، وكلما صرخ من الألم كلما ازداد تعذيبه أكثر، وكثيرون يتعرضون لصعق كهربائي من كاحل القدم، فتتفتح أقدامهم من شدة الكهرباء لتبتر بعد عدة أيام من شدة التقيح.
هناك في أقبية فروع الأمن الأسدي، أرواح تزهق كل دقيقة، تموت بصمت، ربما موتها أرحم من بقائها، وقليلون من ينجون من تلك الأقبية، يخرجون ليرووا لنا الحكاية، وتبقى «من سمع ليس كمن رأى» جملة ترتعد لها الأوصال، فلن يشعر بألم من احتجزوا هناك سوى من عايش الألم.
من أجل من يقبعون في أفرع المخابرات الأسدية، من أجلهم فقط توحيد كلمتنا فرض، واكمال مسيرتنا فرض، والدعاء لهم في ظهر الغيب أضعف الإيمان.

تابعنا على تويتر


Top