الحل السياسي والمأساة الإنسانية السورية

معتز مراد
بعد مرور سنتين ونصف على الثورة في سوريا، أصبح هناك أكثر من مائة وخمسين ألف شهيد، وحوالي مائة ألف معتقل في سجون النظام، في ظروف أشبه بما حدث في القرون الوسطى في أوربا، أضف إلى ذلك نفس العدد أو يزيد من المغيبين والمفقودين.
في غياهب هذه السجون يوجد خيرة شباب سوريا ونسائها، خيرة مفكريها ومثقفيها وثوارها. هؤلاء الذين كانوا وقود الثورة خلال شهور طويلة وصمام أمانها، وكان لهم الدور الأكبر في إيصال الصورة الناصعة والمشرقة للثورة التي أبهرت العالم.
في جانبٍ آخر للمأساة التي يعيشها شعبنا، تجد المهجّرين والنازحين واللاجئين وقد وصلت أعدادهم إلى مستويات خيالية لم يكن يتوقعها أي مراقب، فنصف الشعب أصبح خارج مدنه، أيضًا في ظروف بالغة السوء على الكثيرين منهم في مخيماتٍ، الكثير منها لايوجد فيه مقومات دُنيَا للحياة.
هذا وتستمر الحرب الطاحنة بين النظام والجيش الحر وغيره من الفصائل المسلحة، والذي يعني استمرار النزيف اليومي وتدمير المدن والقرى وما تبقى من بُنى تحتيّه، في مشهدٍ لا يُنبِئ بأي حسم للصراع الدائر في سوريا. وعلينا ألاّ ننسى أنه وخلال السنتين والنصف الماضيات، استطاع النظام تدمير وتفتيت النسيج الاجتماعي السوري، فأصبح الشعب اليوم في حالة شبه عدائية بين مكوناته، ولا حياة مشتركة ممكنة فيما لو تُركت الأمور تجري على طبيعتها.
في حين تجد على الصعيد السياسي، أنّ نزع السلاح الكيماوي قد بات القضية الأولى في سُلّم الاهتمامات العالمية، وقد تمكن المجتمع الدولي وخلال فترة أسابيع بسيطة من استصدار قرار ملزم في مجلس الأمن، سيتمكن بواسطته من تدمير ترسانة النظام السوري الكيماوية. ولكن نجد في نفس الوقت أن السعي لإنهاء المأساة الإنسانية لا يأخذ حيّز واضح من اهتمام العالم، الذي يستطيع إن أراد وخلال أسابيع قليلة «أسوةً بالكيماوي» أن يفرض أي حل سياسي ينهي هذه المعاناة المستمرة والتي تُعتبر الأكبر من نوعها في القرن الواحد والعشرين.
نصَّ القرار الأممي الأخير أنّ عقد مؤتمر جنيف الخاص بسوريا سيتم في منتصف نوفمبر «تشرين الثاني» القادم. ونستطيع القول أن الحل السياسي قادم ولكن على مهله و «على راحة» الدول العظمى. ولن يكون هناك أي عصى سحرية مع أي طرف، بل ستكون عملية انتقال سياسي بطيئ وعودة مستمرة للنازحين لمن هو داخل وخارج الوطن. وإعادة إعمار تدريجي لما تَهدّم من المدن والبلدات.
أمام هذا المشهد «السوري» فإنّ على العالم المتحضر أن يعلم أنّ درجة السخط على أداء منظمته الدولية في تزايد مستمر، وإنّ «التبجّح بقيم حقوق الإنسان والديمقراطية» لم يغن عنهم شيئًا، وهذه القيم عارية اليوم تمامًا أمام طيف كبير من شعوب الأرض. ولن تقوم لهذا العالم قيمٌ حقيقية يؤمن بها الناس حتى يصبح القتل «مهما كانت الوسيلة» خطًا أحمرًا، وأن يكون مستعدًا لأن يتحرك بكل حزم حتى يوقفه. فليس بالكيماوي وحده يُقتل الإنسان يا سادتي.

تابعنا على تويتر


Top