جيش الإسلام أم جيش المسلمين

معتز مراد

أُعلن منذ أيام عن تشكيل «جيش الإسلام» المكون من عددٍ من الألوية والجبهات العسكرية المقاتلة في سوريا، الشيء الذي لاقى ردود فعل مؤيدة ومعارضة داخل البلاد وخارجها.

هذه «التسمية» جعلتنا نتساءل؛ هل حصل أن أطلق أحدٌ من الخلفاء أو السلاطين هذا الاسم على جيشه؟ فهناك فرق كبير وذو دلالات ربما تكون طويلة الأمد على سمعة الإسلام والمسلمين، وطريقة تعاطي الناس والدول مع هذا الشيء الجديد. وقبل ذلك طريقة انعكاس وانطباع ما سيفعله هذا الجيش في المستقبل على مصطلح «الإسلام» الذي اختاره لنفسه.

لو عدنا إلى تاريخ المسلمين الأول وخلال عقودٍ طويلةٍ تلت ذلك، لوجدنا أنّ الاسم الذي تمّ تداوله والتعارف عليه هو «جيوش المسلمين وجيش أسامة وجيش معاوية وجيوش الشام والمسوِّدة (إشارة إلى العباسيين لرفعهم الراياتٍ السوداء) وجيش هارون الرشيد وجيش صلاح الدين وجيوش المماليك …إلخ. ولم يشهد التاريخ -حسب معلوماتنا- أن أطلقت دولة أو حاكم مسلم على جيشه عبارة «جيش الإسلام». مع أنّ  كل تلك الجيوش كانت مكوّنة من أقوام المسلمين وشعوبهم، بغض النظر عن أعراقهم وقومياتهم المختلفة (عرب، فرس، أتراك وعجم).

الفرق كبير بين أن يدعي صاحب الجيش أن جيشه هو «جيش الإسلام» ويحتكر بذلك الدين لصالحه، أو أنه «جيش المسلمين» على سبيل المثال. فالثاني يعني أنّ هذا التشكيل مكون من مقاتلين مسلمين قد يكونون على قدر هذا الدين العظيم ويعكسون تعاليمه وقيمه السامية. وقد يكونون عكس ذلك تمامًا؛ لا يعرفون من هذا الدين سوى اسمه، وكل تصرفاتهم وسلوكياتهم لا علاقة لها بتعاليمه وقيمه. وقد شهد التاريخ أمثلة كثيرة لجيوش من المسلمين لم تعرف سوى المكر ونقض العهود والتآمر مع العدو ضد الصديق وأخوة الدين. والكثير من المثقفين قرأ عن تحالف الكثير من تلك الجيوش أيام الحملات الصليبية والمغولية مع العدو نفسه ضد جيوش أخرى من أبناء جلدتهم وعقيدتهم، ولكن لم يعنِ ذلك أنّ الإسلام هو دين ضد القيم العليا أو أنه يؤسس لأخلاق ضد الأديان السماوية. بل المشكلة أولًا وأخيرًا في الأشخاص الذين اعتنقوا هذا الدين وأساؤوا استخدامه وفهمه وتطبيقه.

فيما يعني المصطلح الأول أنّ هؤلاء الذين أطلقوا على أنفسهم جيش الإسلام يؤمنون أنهم يمثلون الإسلام الصحيح، وأنّ فهم الدين يمر من خلالهم، وبالتالي فكل تصرفاتهم وسلوكياهم القتالية والسياسية سوف تُلصق بالإسلام لا بالمسلمين.

هناك احتمالان أمام «جيش الإسلام» الجديد بقيادة زهران علوش، الأول أن يكون فعلًا على قدر المسؤولية والأمانة التاريخية، وهذا ما نستبعده، لأنّ المسيرة السابقة لم تكن كما يرغب الشعب السوري والمدن التي تستغيث بـ «لواء الإسلام» قبل أن يصبح جيشًا. فالمهمّة القادمة يجب أن تكون السعي لفك الحصار عن كل المدن السورية من دون شرط أو قيد، فالإسلام يأمر من لديه القدرة أن يرفع الظلم عن الذين باتوا يرزحون تحته، وعلى المسؤولين عن هذا الجيش أن يعلموا أن مصلحة سوريا فوق مصالحهم ومشاريعهم الشخصية، وأن الوطن أمانة في أعناقهم ولامجال لبناء الأمجاد الذاتية على حساب مجد السوريين، فهذا كلّه ضد الإسلام كتعاليم ومبادئ عظيمة.

والاحتمال الثاني أن يكون هذا الإعلان الجديد في غالبه ذو بعد إعلامي وليس له أثر كبير على الأرض، وربما سوف تظهر المشاكل قريبًا بين مكونات الجيش الجديد كما ظهرت سابقًا بين لواء الإسلام ومن شاركهم في غرف عمليات أو معارك في سوريا. وبالتالي فإننا سوف نُسيء للإسلام كدين، وسوف تكون أول العبارات المنتقِدة: هذا جيشٌ من المسلمين «على علاتهم ومشاكلهم وأمراضهم» ولا يمثل الإسلام في شيء. وقد يقول البعض: هل هذا هو الإسلام الذي تُفاخرون به العالم؟! وربما يقول آخرون: جعلتم الناس تنفر من كل تشكيل يحمل اسمًا ذا طابع إسلامي، فالناس تموت جوعًا وبردًا وهي محاصرة في ظروفٍ بالغة السوء، وأنتم مشغولون بمشاريعكم الخاصة «باسم الإسلام» ولديكم ما لديكم من سلاحٍ وعتاد. وبدورنا نقول: كان علينا أولًا أن نجعل الناس تحب أفعالنا وتعشق إسلامنا من خلال سلوكياتنا وأخلاقنا قبل أن نرفع الشعارات الكبيرة الطنانة.

وختامًا ومن كل قلبي: أتمنى أن يكون هذا التشكيل الجديد خطوة نحو إنهاء المأساة السورية لا مسمارًا جديدًا في نعشها.

تابعنا على تويتر


Top