ماذا بعد المقاومة

Clenched-Fist.jpg

عنب بلدي – العدد 86– الأحد 13-10-2013

مقاومةبيلسان عمر

في عالم تحول إلى شبكة من الاتصالات، وكتلة جامدة من البيانات، وفي ظل غياب القيم الإنسانية، وانعدام القرار الاجتماعي، وبعد تحول الأوطان إلى ساحة من الصراعات السياسية والمادية، وانتهاك حرمات المستضعفين، واستشراء الفساد في مجتمعاتنا العربية، كان الخيار الوحيد ولا نقول الأوحد أمام الشعوب العربية هو خيار المقاومة.

لقد خلّفت المقاومة منذ العهود الأولى للبشرية ثقافة راسخة قوية لدى شعوب العالم، ونمت هذه الثقافة، واختلفت من مجتمع إلى آخر ومن جيل إلى جيل، كلنا نحمل في دمائنا جينات المقاومة، دندنت بأغانيها الحناجر، وتغزل بأمجادها الشعراء والأدباء، واختلف في وصفها المفكرون والباحثون، وغدا رجالها رموزًا عبر التاريخ بعد أن سجلت الشعوب ملاحم وأساطير تفوق القدرة العقلية عن استيعابها ما حوته من المعاناة والصبر. وكان العدو الوحيد «إسرائيل» بعد «الصليبين والمغول والتتار»، كما تعلمنا منذ صغرنا، لنحبو على أصوات أهلونا يتمسكون بالدعاء -وبالدعاء فقط- ليلًا نهارًا على «إسرائيل»، وكأن بينهم وبينها تارات قديمة يتوسلون الباري أن يقف معهم ضدها. وإذا بنا نكبر ونكتشف أن العدو أكبر من إسرائيل، وأن «إسرائيل» خدعة فرضتها علينا حكوماتنا لتنسينا عدونا الحقيقي، ولتبقينا في جهل مدقع لا نخرج بعده إلا وقد فقدنا كل ما بقي في عقولنا من قدرة على الاستيعاب، فهاهم يخوّنون كل من يدّعي وجود عدو داخلي، ويعتقلون لسنين مديدة أو يغيّبون كل من ينادي بمنع استشراء الجهل في صفوفنا.

وبعد أن أثبتت المقارنة نجاحها في توصيف الكثير من الحالات والظروف والأحداث، ارتأى الشعب العربي السوري أن ينهج نهج الشعوب العربية الأخرى على اعتبار المقاومة هي المنقذ والمخلص من الاحتكار السياسي والاجتماعي للسلطة ونفي الإيديولوجيات والديكتاتوريات بعيدًا عن مراسينا-وشتان ما حدث- بالرغم مما خلفته المقاومة من فكر ومعتقدات إلا أنها أرغمت الشعوب على التقوقع في ربوعها قرونًا من الأزمنة، واقتصر فكرها عند فعل المقاومة، دونما الحاجة إلى التفكير ماذا بعد المقاومة؟ والأجدر إلى متى ستظل الشعوب عابدة فكر المقاومة، متمسكة بالبندقية للمطالبة بحقوقها.

 إن المقاومة التي جعلت من الشعب العربي شعبًا لا ينفك يلهث وراء الالتحاق بصفوف المقاتلين على الجبهات، متناسيًا أن مهمته ليست مقاومة الاحتلال والطغاة فحسب، بل يتوجب عليه البحث عن سبل الحياة الغنية، وامتلاك أساليب القوة والقدرة على التمسك بالحياة وممارستها على طبيعتها، إذ كثيرًا ما ضحكت الحكومات العربية على الفقراء بإقناعهم بمكافحة الفقر، فعاشوا وماتوا فقراء في قصور من التقديس والامتنان للمعاناة والأسى الذي كابدوه في حياتهم، بينما جهدت حكومات أخرى غير عربية تعلم فقراءها كيف ينتجون الغنى. وهذا النوع من المقاومة قد برهن فشله لا سيما بعد أن تحولت المعركة من جيوش وفئات منظمة إلى مجموعة أفراد دفعتهم نخوتهم لحمل السلاح وتكوين جبهات يرفعون شعاراتهم بها.

إن التضحيات التي يقدمها الشعب العربي جديرة بأن تدفعنا لنفكر ماذا بعد المقاومة ليس كسلوك فقط وإنما كفكر وكمنهج حياة؟ كان الأمر صعبًا من الناحية العسكرية، لكن ليس علينا أن نتوقف هنا، فالطريق واسعة ويمكن لأكثر من منتعل أن يمضي قدمًا، لذلك يتوجب علينا أن نبحث عن النواحي الأخرى التي تتجلى فيها الحياة القادمة، ليصرخ صوت أحدهم عاليًا في خضم الرصاص (جميل أن نموت من أجل الوطن، لكن الأجمل أن نحيا من أجله) هذه هي المقاومة التي ينبغي أن ترسخ جذورها في أعماق الأرض العربية، لتؤتي أكلها.

كلنا رغب في التغيير، وكلنا عشق الثورة، وكلنا ينتظر شيئًا إلهيًا لحل المشكلة، فمهمة الذين أخرجوا من ديارهم ظلمًا وعدوانًا إلا أن قالوا «الله أكبر، بدنا الحرية» أكبر من مهمة الذين هرعوا إلى البندقية، فأولئك عليهم وضع تصوّر لحياة ما بعد المقاومة، وعليهم تقديم تصورات بديلة لمستقبل أفضل بعيدًا عن الجمود والتقليد، مستثمرين ما أوتي كل منا من حكمة وحنكة.

تابعنا على تويتر


Top