«يا بيتي ويا بيوتاتي ويا مسترلي عيوباتي»

.jpg

جودي سلام – عنب بلدي

مثل شعبي رددته الحاجة أم محمد، وهي من سكان داريا، بعد أن اضطرت للنزوح من مدينتها تاركة وراءها بيتها المريح، لتتشارك الآن غرفتين مع أبنائها وزوجاتهم وأولادهم. في الوقت الذي رفض فيه بعض من كبار السن مغادرة منازلهم الواقعة في مناطق «مشتعلة» رغم الخطر المحيط، مرددين عبارات مثل «لم يبق في العمر أكثر مما مضى»، «الشباب يموتون، فلم نحزن على أنفسنا»، «سنين أمضيتها في أرضي وفي بيتي ولن أتركهما الآن»، «لا أحد يهتم بي هنا في بلدي، فكيف سيكون الأمر في الغربة»… وأسباب وأعذار أخرى كثيرة.

كثيرون آخرون، مثل أم محمد، حرمتهم هذه الأزمة من منازلهم ومنزلتهم كـ «كبارية العيلة»، ودفعت بهم للنزوح مع أبنائهم وإلى العيش في ظروف لم يألفوها، ولم يتصوروا أن تجور الأيام عليهم ويقضوا «آخر أيامهم» في هم وغم وضيق حال.

أم محمد التي قضت ما يزيد عن عشرين عامًا في منزل هادئ ونظيف لوحدها، حدثتنا عن معاناتها اليومية خلال النزوح، فهي لا تجد نصف ساعة لتنعم بقيلولة خلال النهار لانعدام الهدوء بسبب ضجيج الأطفال المستمر؛ كما أنها تشتكي من تصرفات زوجات أبنائها، فهن لا يهتممن بنظافة البيت وترتبيه بشكل جيد، ويتركن أطفالهن يخربون في المنزل دون توجيههم. أما سحر، زوجة ابنها محمد، ترى أن حماتها أصبحت عصبية للغاية، وباتت مصدر إزعاج لكل أفراد العائلة، فهي توبخ الأطفال باستمرار، وتتدخل بصغار الأمور وكبارها. ريما أيضًا، زوجة ابنها الأصغر، تشاجرت مع زوجها بسبب أمه، وهددته بالانفصال عنه، والذهاب لبيت أهلها وترك الأولاد له إن لم يستأجر منزلًا خاصًا بهم، وبذلك أصبح عصام، الابن الأصغر، يعيش بين نارين، ضغوط زوجته، وضغوط أمه التي أصبحت بالفعل عصبية وغير محتملة، لكن ما باليد حيلة، فوضعه المادي متدهور ولا قدرة له على استئجار منزل بمفرده.

قصص كثيرة من هذا النمط تُتداول كل يوم، فسمر شابة في الثلاثينيات تقيم مع أهل زوجها، كانت تتبادل خدمة أم زوجها المعقدة مع بقية أقربائها حولها. اليوم باتت أعباء العناية بحماتها ملقاة على عاتقها وحدها بعد أن رفضت السفر مع أي من بقية أبنائها إلى خارج القطر، فاضطرت سمر للبقاء مع زوجها وأمه.

تتمنى سمر، ولأول مرة في حياتها، لو أن مجتمعنا يتقبل فكرة وضع المسنين في دور العجزة، فهي لا تقوى وحدها على خدمة أم زوجها المريضة خصوصًا في ظروف النزوح. «ليت هناك دار عجزة مثل بلاد الغرب تهتم بالمسنين نضعهم فيها فقط فترة النزوح هذه … فهذا أفضل لنا ولهم»، تقول سمر.

كذلك حال الحاجة أم شاهر، التي نزحت مع أبنائها إلى لبنان، وأصبحت تنتقل من بين ابن إلى آخر؛ أم شاهر باتت عصبية جدًا، ولا تعرف هي نفسها ما مشكلتها ولا ما تريد لدرجة أنها باتت تكره الابن الذي تقيم عنده وتطلب نقلها إلى بيت ابنها الثاني، الذي ما تلبث أن تكرهه وتطلب الانتقال من جديد.

في المقابل، فضل بعض كبار السن البقاء بكرامتهم في منازلهم، رغم خطر الموت المحيط بهم من كل جانب، تجنبًا للإهانة التي قد يتعرضون لها أثناء النزوح.

أبو اسماعيل واحد من هؤلاء، شيخ سبعيني رفض الخروج من داريا مع أبنائه الذين أبوا تركه وحده، فتركوا معه حفيده مصطفى ذو الـ 17 عامًا ليرعى شؤونه. أم مصطفى تشتكي دومًا من موقف عمها العنيد الذي تسبب بتعريض حفيده للخطر.

أما الحجة المسنة عيشة التي لا تكاد تقوى على المشي، فقد رفض أبناؤها، الذين عزموا النية على السفر، تركها وحيدة في مزرعتها التي تبعد 30 ميلًا عن داريا، فباتت تتنقل بين أبنائها الذي تفرقوا في مصر والأردن ولبنان. هددت الحجة عيشة أبناءها بالغضب عليهم إن لم يعيدوها إلى مزرعتها، فتبرعت إحدى بناتها للإقامة معها؛ الحجة عيشة تقيم في مزرعتها الآن «بسلام وأمان وراحة بال» بعيدًا عن حياة التشرد.

البعض الآخر الذين أمضوا سنيّ طويلة في رتابة ليس لها حدود، لم يتمكنوا من استيعاب الواقع، وإدراك حقيقة ما آلت إليه الأمور، حتى أن بعضهم يرفض تصديق المصيبة أساسًا، لذا رفضوا ترك أراضيهم ومنازلهم، ومات كثير منهم نتيجة القصف؛ وبعضهم الآخر خرج من منزله لكن تصرفاته لا تدل على استيعاب ما يجري، فيندم لتركه جذوره ويتمنى العودة ليموت هناك.

خرجت الحاجة أم أيمن من داريا وانتقلت للعيش مع أبنائها في مزرعة تملكها على بعد عدة أميال من داريا؛ تحضر أم أيمن كافة أنواع المؤونة من ملوخية ومكدوس وزيتون وبامية، ولكن ليس للأكل الآن، بل لتكون جاهزة حين تعود إلى منزلها في داريا. لم تدرك أم أيمن بعد أن الكهرباء لم تعد تصل إلى المدينة، وأنه في حال وجدت منزلها قائمًا فلم يسلم براد ولا ثلاجة لتضع فيها المؤونة.

عدد من كبار السن مرضوا أو اشتد عليهم المرض في نزوحهم، وماتوا في «غربة» داخل وطنهم، بعيدًا عن منازلهم وعن أبنائهم، ودفنوا في أماكن ليست بالضرورة مخصصة للدفن. أم عدنان أفنت حياتها في تربية أبناءها السبعة، لتموت وحيدة على بعد أميال من منزلها وبعيدًا عن أبنائها المسافرين.

كبار السن تأثروا كغيرهم بما تمر به البلاد، ولكنهم لم يوفوا حقهم حتى بتسليط الضوء على معاناتهم، فيكفي الجد والجدة ألمًا أن يشهدوا وفاة أحفادهم وأبناءهم قبلهم، ويزيد معاناتهم الاهمال الصحي لغلاء الأدوية التي يضطر معظمهم لتناولها بشكل منتظم، وتكلفة العلاج أو عدم توفره في بعض المناطق، ما يزيد ألمهم ويسبب لهم العصبية والتوتر الذي ينعكس أيضًا على من حولهم.

ويعزو الأطباء النفسيون التصرفات التي تبدر عن كبار السن في هكذا ظروف إلى خوفهم من التهميش بالدرجة الأولى، خصوصًا في مجتمعاتنا التي غالبًا ما تهمش الأكبر سنًا الذين أمضوا حياتهم في إعمار بيتهم وأرضهم فقط. فيرفض بعضهم ترك بيوتهم خوفًا من الإهمال في بيئة مختلفة، ما يسبب لديهم قلقًا مستمرًا. في حين تتولد مشاعر كتلك التي يحملها الأطفال من الخوف من الوحدة والإهمال وعدم الاهتمام، فيقبلون على الخروج مع أبنائهم، الأمر الذي يولد لديهم القلق أيضًا، وبالتالي يتسبب بعصبية المزاج، لشعورهم بأنهم خسروا حياتهم كلها. العامل الآخر هو الارتباط النفسي العميق بتلك الأماكن، فذكريات المسن هي التي تبقيه مرتاحًا وهادئًا، ويؤدي ابتعاده عنها لاضطرابات تسبب العصبية، خصوصًا في غياب «قضية» تشغله ويحيا لأجلها.

وعلى الرغم من أن بعض الجهات الحقوقية قامت بتنظيم أنشطة يدوية وبدنية لكبار السن لتأهيلهم للاندماج في المجتمع، وللتغلب على شعور أنهم «عالة» على من حولهم، إلا أنها لا تزال محدودة ولم تصل إلا لعدد قليل منهم. الحاجة أم عزات، إحدى النازحات، لم تتأقلم مع المحيط الجديد وتلوم، بل وتشتم، إلى اليوم كل من كان له يد في هذه الثورة بدءًا من البوعزيزي الذي تدعو عليه باستمرار.

تابعنا على تويتر


Top