«أم محمد» سيدة تحيي مهنتها لخدمة المجتمع

293291-01-08.jpg

مع اشتداد الأزمة وتدهور الوضع الاقتصادي، يلملم البعض آلامهم ويركنون إلى الحزن، وإلقاء اللوم على القريب والبعيد، في حين يسخّر البعض الآخر جهده وتفكيره على طريقة للتغلب على هذه الآلام.

من هؤلاء أم محمد، ذات السبع وخمسين عامًا التي تعلمت الخياطة منذ صغرها، كما كان شائعًا للفتيات حينها، وعملت خلال سنوات بالخياطة لعائلتها. قررت أم محمد توظيف وقت فراغها الطويل، وخبرتها في الخياطة، وجزءًا من مالها الخاص لخدمة المجتمع، فقامت بعد مجزرة داريا بفترة وجيزة بخياطة ألبسة للأطفال، سعت لجعلها من «أفضل ما يرتدي الناس»، ووزعتها قبيل عيد الأضحى من خلال «كفالة اليتيم» لتدخل فرحة ولو بسيطة على قلوب الأيتام الذين ازداد عددهم بشكل كبير في داريا، وباتوا «مسؤولية المجتمع بأكمله، ولا يمكن لأحد أن يتنصل من مسؤوليته تجاههم» حسب قولها.

لم يوقف النزوح بعد الحملة الأخيرة على المدينة سعي أم محمد لعمل الخير، وإثر فقدانها ماكينتها انتقلت إلى عمل الصوف لتأمين مستلزمات عائلتها، خصوصًا أن المنطقة التي يقيمون فيها باردة جدًا. شجعت أم محمد من حولها على ملء أوقاتهم أيضًا بما يفيدهم، ، فأهدت جارتها سنارة وكمية من الصوف وعلمتها أساسيات المهنة؛ تابعت الجارة العمل حتى أتقنته، فصنعت ملابس لعائلتها، وأهدت إحداها لأم محمد تعبيرًا عن امتنانها، وباتت تعمل بالأجرة أيضًا لتؤمن جزءًا من مصروف العائلة.

بعد فترة تبرعت إحدى القريبات بماكينتها لتتابع أم محمد عملها، فقامت بخياطة ألبسة ولادية للبنات والصبيان، وللأعمار المحيرة، وزعتها على الأطفال النازحين من داريا. ومع بدء موسم المدارس أرادت أم محمد إدخال البهجة لقلوب الأطفال الذين حرموا الكثير خلال النزوح، وكانت قد لاحظت أن العديد من الطلاب لم يتمكنوا من الحصول على حقائب لحمل كتبهم، واستعاضوا عنها بأكياس النايلون، فقامت بخياطة حقائب مدرسية ومقالم وزعت نصفها بالتعاون مع مكاتب الإغاثة على النازحين في منطقتها، واضطرت لبيع النصف الثاني من الحقائب لتأمين كلفة مشروعها القادم، فباعتها بسعر التكلفة لجهة إغاثية وزعتها مجانًا على أطفال داريا الذين لجؤوا إلى المناطق القريبة منها؟، والتي يقل توافر الموارد فيها ويصعب الوصول إليها. آخر مشاريع أم محمد كان مجموعة من الألبسة للأعمار المحيرة أيضًا، أنهت خياطتها منذ أيام وقامت بتوزيعها أيضًا بالتنسيق مع جهات إغاثية.

كان دافع أم محمد للقيام بهذه المشاريع هو رغبتها في أن تفيد المجتمع، فهي على يقين أن «ربنا خلق الإنسان للعبادة التي لا تقتصر على الشعائر والصلاة والدعاء. العمل الذي يفيد المجتمع هو العبادة الحقيقية خصوصًا في هذه الأوقات». تقول أم محمد أنه ورغم الصعوبات في مختلف مراحل العمل، سواء تأمين القماش بعيد المجزرة في ظل الحصار، أو حتى خلال النزوح بسبب البعد عن مركز المدينة والأسواق، إضافة إلى صعوبة المواصلات مؤخرًا بسبب الحواجز، إلا أن المشاريع كلها كانت «ميسرة وناجحة، ونالت إعجاب من رآها». كما تمكنت من الاستفادة من كامل القماش من خلال التفصيل، واستخدام القطع الأصغر المتبقية لملابس الأصغر سنًا، كما لجأت إلى تزيين الملابس من خلال الحبكة لتوفر تكلفة الكلف الإضافية.

أم محمد موقنة أن الخير لا يزال موجودًا في الناس، فخلال عملها ساعدها الكثيرون، بعض من ورشات الحبكة تخلو عن أجرتهم، وبعضهم تكفل بكلفة الحبكة كاملة، كما ساعدها عدد من أقربائها بنقل القماش والألبسة أو حتى توزيعها أحيانًا، ولكن للأسف، كثيرون في مجتمعنا لا يعرفون كيف يسخرون الخير داخلهم وقدراتهم لخدمة أنفسهم ومجتمعهم.

في كل شارع يوجد أم محمد، وفي كل منّا طاقة كفيلة بأن تغير الكثير من حولنا ولأن تشجع الآخرين على المبادرة للتغيير أيضًا، فلا الغرب ولا العرب قادرون على مساعدتنا إن نحن لم نساعد أنفسنا.

تابعنا على تويتر


Top