الطائفة السنية الكريمة

محمد رشدي شربجي

الصراعات الطائفية والمذهبية موجودة منذ فجر التاريخ، في الحقيقة فإن الظروف التي نعيشها الآن هي ذاتها التي عاشتها وتعيشها الأمة الإسلامية منذ فجر التاريخ الإسلامي. لم تكن دائمًا بهذه الحدة الموجودة عليه اليوم ولكنها كانت دائمًا موجودة لتطل برأسها كل حين عندما تتوافر الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية لذلك، من أجل ذلك نجد أن مقاربة الأزمة الطائفية قلما تحظى بالموضوعية والحيادية التي يتطلبها البحث العلمي الدقيق، خاصة أن الباحث في هذا المجال هو ابن بيئته وطائفته بالنهاية، المشغولة دائما بالرد على البيئات والطوائف المعادية، سواءً كان هذا الرد عسكريًا أم فكريًاذ نظريًا تأصيليًا.

المتتبع لخفايا الصراعات المذهبية يدرك أنها تركت بصمتها في خفايا وعي ولاوعي جماهيرها وأتباعها وسلوكهم، وهذا ما يعقّد دراسة هذه الصراعات ومقاربتها مرة أخرى. أمر آخر يعقّد الدراسة وهو حساسية القارئ تجاه هكذا مواضيع، فهو إما أن يتهم الباحث بالطائفية أو يتهمه بالتفريط بحقوق الطائفة، «السنة ليس طائفة، السنة هي الأمة» يقول عزمي بشارة ثم يشترط لتكون كذلك ألا تتعامل مع نفسها على أنها طائفة أقلية.

تسلك الأقليات في تعاملها مع الأكثرية عادة سلوكًا متشابهًا، يحكمه ردة الفعل على سلوك الأكثرية أكثر، تحاول جاهدة خلق مجتمع صغير ضمن المجتمع العام لتمارس فيه طقوسها وعادتها بأريحية أكبر، زيادة جور الأكثرية تؤدي إلى زيادة تجذر هذا المجتمع الصغير وزيادة التعبير عنه ضمن المجتمع العام، وزيادة الإصرار على تمييز هذا المجتمع الصغير، من خلال الأسماء واللهجات والعادات والتقاليد وغيرها. عادة ما تكون الأقليات أكثر انغلاقًا وصرامة وتأخذ تجاه الأحداث الجسام التي تتعرض لها موقفًا جمعيًا واحدًا. على عكس الأكثريات التي لا ترى تهديدًا دائمًا لوجودها وهويتها، لذلك غالبًا ما تكون أقل انغلاقًا وصرامة، وتتمتع مواقفها تجاه الأحداث بالتنوع والتضاد أحيانًا، فهي ليست كتلة صلبة مصمتة كما هي الأقليات غالبًا.

دراسة تاريخ الصراعات المذهبية يؤكد أن السياسة غالبًا ما كانت المحرك الأبرز لها، فالأقلية في بلد ما غالبًا ما تكون أكثرية في بلد آخر، وهو ما يجعل لهذه الأقليات ارتباطاتها وولاءاتها الخارجية أحيانًا، زاد الطين بلة في القرن الأخير سوء التوزيع السياسي للجغرافيا الذي تقصدته اتفاقية سايكس بيكو.

تعامل الأكثرية مع الأقليات هو عامل حاسم في تعزيز شعورها الأقلوي أو اطمئنانها لوسطها «الأكثروي» وتعايشها معه وأحيانًا ذوبانها فيه، فمن الطبيعي أن تحدد أكثرية سكانية في بلد معين هوية هذا البلد وثقافته ومن الممكن أن يحكم هذا البلد شخص لا ينتمي لأكثريتها ولكنه محترم لثقافتها وتاريخا وتراثها.

المتتبع للصراع في سوريا، أو بشكل أدق في بلاد الشام والعراق، يدرك أننا أمام ظاهرة فريدة تاريخيًا، إذ أننا نجد أن هذه البلاد استحالت إلى مجموعة من الأقليات، لم يعد للسنة شعورهم كأكثرية حاكمة في هذه البلاد منذ مئات السنين، نستطيع أن نقول أن السنة محكومون من اليهود في فلسطين منذ ستين عامًا، وفي لبنان حكمهم الموارنة ثم الشيعة لخمسين عامًا، وفي سوريا حكمهم العلويون لأربعين عامًا، وفي العراق يحكمهم الشيعة منذ عشرة أعوام. فالسنة في سوريا حاليًا هم من يطالب الخارج بالتدخل ليحموا أنفسهم من ظلم الأقليات، لا يفوتون فرصة ليؤكدوا هويتهم و «سنيتهم» سواء كان بيان تشكيل كتبية، أو لواء، أو جيش، أو تجمع سياسي أو إغاثي وغيره. يشعر السنة في هذه المنطقة أنهم مهددون بوجودهم، وأن هناك من يعمل ليل نهار لاقتلاعهم من أرضهم وتاريخهم، وهذا صحيح في جزء كبير منه للأسف، وهو ما يجعلهم برغم كونهم الأكثرية يسلكون سلوك الأقليات المعتاد.

دخول السنة في نفق التفكير الأقلوي سيكون مدمرًا، وقد يكون المراد لهم الدخول في نفق كهذا لكي تبقى المنطقة في أتون حرب لا تنتهي. تجاوز التفكير الأقلوي هو مقدمة لتجاوز الفكر الطائفي ككل، ومن دون ذلك فلن يكون في المستقبل إلا مزيدًا من الحروب.

تابعنا على تويتر


مقالات متعلقة


الأكثر قراءة

    Top