عود على بدء

أحمد الشامي

من عاصر فترة الستينات وأوائل السبعينات ويقارن بينها وبين المرحلة الحالية لابد له من أن يلحظ تشابهًا كبيرًا ما بين مصطلحات تلك المرحلة وبين أيامنا.

في تلك اﻷيام، كانت منظمة التحرير الفلسطينية هي قبلة الثوار وسدرة المنتهى لكل باحث عن البطولة. كلمة السر يومها كانت «المقاومة» و «الكفاح المسلح». أيضًا كان المقاومون ملثمين «بالكوفية» ويحملون أسماء وهمية ولديهم مشاريع تحريرية من «المحيط إلى الخليج». وقتها، أيضًا، انتشرت «دكاكين المقاومة» وازدهرت أعمالها.

بمقارنة سريعة يمكننا وضع كلمة «الجهاد» مكان «المقاومة» ووضع «تطبيق شرع الله» مكان «تحرير اﻷراضي المحتلة» وهكذا دواليك.

لم يطرح مفكرو تلك الفترة على أنفسهم أسئلة مثل «لماذا انهزمنا وانتصر العدو؟» ولا أحد خطر له أن يتساءل عن مسؤوليتنا الجمعية عن الهزيمة وعن أسباب عجزنا عن المواجهة والاكتفاء بالمقاومة وهي، في آخر اﻷمر، مفهوم انهزامي مؤداه الحفاظ على ما أمكن. هذه اﻷسئلة وغيرها كثير تم تجاهلها والقفز على مدلولاتها تحت شعار «لاصوت يعلو على صوت المعركة…» علمًا أن المعركة قد انتهت وقد خسرناها وقضي اﻷمر.

لقد عجزنا جميعًا عن النظر بموضوعية وعقلانية إلى الكوارث التي تلت الاستقلال ولم نعترف بفشل مقاربتنا الغوغائية للأمور وغَرِقنا في أحلام يقظة حول الانتصار الحتمي للشعوب ولقوى التقدم، علمًا أن التاريخ يقدم أمثلة مناقضة ﻷحلامنا الوردية هذه. ففي كل مكان وزمان تواجهت فيه حضارتان كان البقاء من نصيب اﻷصلح واﻷكثر تنظيمًا وكان نصيب الغارقين في السبات هو الفناء.

اليوم، نعيد ذات النغمة السابقة، تغيرت الكلمات، لكن اللحن هو ذات اللحن. الوجوه لم تعد ذات الوجوه لكن اﻷسئلة بقيت كما هي، لماذا ننهزم في وجه الحضارة الغربية وأذنابها؟ هل يكفي التعلق بأهداب «تطبيق الشريعة» أو «الكفاح والجهاد» لتفادي طرح اﻷسئلة المصيرية حول موقعنا كبشر وكحضارة في عالم متغير لايرحم المتقاعسين والكسالى؟

من لا يتعلم من دروس التاريخ محكوم بإعادته، آن لنا أن نتعلم من أخطائنا ومن هزائمنا وتجاربنا وأن نصارح أنفسنا بالحقائق المرة، حينها فقط نستطيع أن نخرج من لعبة التكرار هذه.

تابعنا على تويتر


Top