وهم المنقذ… هداية الآخرين خارج المقاصد

طريف العتيق

يضمر التفكير الدينيّ بنسخته «السلفيّة» موقفًا استعلائيًا تجاه الآخرين، الذين أرسلنا الله لهدايتهم، وإدخالهم الجنّة.. يصل هذا الشعور إلى مستوى واضح الظهور مع الجناح الأكثر تشددًا من التيار، في محاولة التغيير القسريّة للآخرين، أي محاولة إجبارهم بشكلٍ فعليّ، وليس الاكتفاء بالحشد النظري، والحصر الكلاميّ للآخر.. الصعود على قباب الكنائس لنزع الصليب، وكسره باليد، العبث بمحتويات الكنائس وطمس الصور والأيقونات الدينيّة، أمثلة بسيطة لما نتحدث عنه هنا، لذا فهناك حاجة حقيقية لتفكيك طريقة التفكير هذه، وعرضها على النسخة الأصيلة.

السؤال الأول الذي يمكن أن نطرحه هنا: ما هي وظيفة من يحمل رسالة الإسلام؟ هل وظيفته أن يجعل الناس يؤمنون بها؟ هل من شأنه أن يدخلهم الجنّة وأن يمنعهم من النار؟ هل من وظيفته أن يقوّم سلوكهم قسرًا كي لا يخالف ما يراه ثوابتًا مقدّسة وحدودًا لا يجوز التطاول عليها؟ أن يفرض عليهم نمطه في اللباس والطعام والشراب والزواج وغيرها من شؤون الحياة؟

لا يبدو أن النصّ الدينيّ يسعف تلك الأفكار رغم شيوعها، لأنه دائمًا ما كان يكرّر ويؤكّد أن وظيفة الرسل تنحصر في التبليغ الواضح، والتبيان البسيط لمحتوى الرسالة السماوية، ومن ذلك {وما أرسلناك إلا مبشرًا ونذيرًا} {يا أيها النبيّ، إنّا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا}، ورغم تكرّر هذا المعنى مرّات عدّة، فلم يكتفي الخطاب القرآني بذلك، بل زاد الأمر وضوحًا في آيات أخرى تنفي المعاني المعاكسة لحصر مهمة الدعوة في التبليغ، كقوله تعالى {ما أرسلناك عليهم وكيلًا}، {فما أرسلناك عليهم حفيظًا}، {لستَ عليهم بمسيطر}، {إن عليك إلا البلاغ}.

لذا فإنّ أي محاولة لفهم نصوص نبويّة خارج هذه العقليّة ستبوء بالفشل، كالطريقة التي يعامل بها حديث «من رأى منكم منكرًا فلْيغيرْه بيده فإن لم يستطعْ فليغيره بلسانه فإن لم يستطعْ فلْيغيرْه بقلبِه وذلك أضعفُ الإيمانِ»، فإذا كان «المنكر» المقصود بالحديث هو المنكر بالمطلق فكيف يمكن التوفيق بين هذا وبين ما سبق من آيات؟ ثم كيف يمكننا مثلا تغيير صوت الحمار الذي خلقه الله منكرًا {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير}، ولم يخلق الله منكرًا لا يتغير، لو كان المقصود تغيير كلّ منكر مهما كان؟

لنأخذ الموضوع من مقاربة أخرى.. انطلاقًا من المقولة النبويّة «خيارُكم في الجاهليةِ ، خيارُكم في الإسلامِ إذا فقُهوا»، فهذا يعني أن الخيريّة سابقة على الإسلام، أو سابقة على الأديان، وبعبارة أخرى فهي عابرة للأديان، وهذا بالفعل ما نجده في حياتنا اليوميّة، إذ كثيرًا ما نتعامل مع جارٍ من ديانة مختلفة لنجد منه حسن الأخلاق والمعاشرة، ما لا نجد معشاره عند أخ لنا مسلم!

لذا فإن الخيريّة فعلًا عابرة للأديان (بالنصّ النبويّ، وبالواقع المشاهد)، وهي سابقة على الأديان.

هذا يفتح لنا بابًا آخر للتساؤل، كيف نرتب سلّم أولوياتنا إذًا؟

ألا يفترض أن يكون هدفنا الأول خلق وإيجاد هذه الخيريّة في النفس الإنسانيّة، اعتمادًا على فطرتها الأصيلة، قبل أن ندخلها في عقائد وشعائر الأديان، وألا يتفق هذا مع مجمل الخطّة الإلهية في تنزيل الإسلام من السماء إلى الأرض، حيث أمضى المسلمون 12 عامًا في مكّة المكرمة، دون شعائر، ولا شرائع، وإنما التركيز على ما هو أعمق من ذلك.

بل يذهب النصّ النبويّ خطوّة أبعد، فإن الخيريّة السابقة على الإسلام، قد تتلاشى، مع فهمٍ خاطئٍ للدين، معلقًا استمرار الخيريّة بفهم الدين بشكل حقيقيّ، إذ كثيرًا ما نتفاجأ بتردي مستوى العلاقات عند بعض الملتزمين بعد ترددهم على دورسٍ للدين!

ويوكّد القرآن ذلك، بوصفه النبيّ عليه الصلاة والسلام بالعظمة، بقوله {وإنك لعلى خلق عظيم}، بينما تأتي هذه الآية ضمن سورة القلم، التي تحتل الترتيب الرابع في نزول المصحف، أي أنها من أوائل ما نزل من القرآن.. بعبارة أخرى كان القرآن يصف شخصيّة النبيّ التي تأسست وتراكمت طيلة 40 عامًا قبل الوحيّ والنبوة لا بعدهما!

كانت عظمته سابقة للنبوة، وحاملة لها، لا نتيجة عنها!

رغم ذلك، فإن سلوكنا كلّه لا يقرّ أو يعترف بخيرية ممكنة خارج الدين، أو عظمة ممكنة بدونه، بل كلّ الخير والعظمة هي في الدين والدين فقط، الأمر الذي يتجلى في سلوكنا وتصرفاتنا اليومية في محاولة قسر الناس على الدخول في الدين، والنظر إلى المخالفين نظرة دونية، نظرة من يجب تغييره، لأن الظلمة كل الظلمة بدون فهمنا للدين!

تابعنا على تويتر


Top