كراج الكباس… كراج الشبيحة

02.jpg

جودي سلام – عنب بلدي

قد لا يعلم كثيرون مدى المعاناة التي يتكبدها المعتقلون بعد خروجهم من المعتقل، وخصوصًا من ألقي القبض عليه وتم حجز مركبته؛ فحرية المركبة بالنسبة للمعتقل قد لا تقل أهمية عن حريته هو نفسه، لا سيما إن كانت مصدر رزقه، أو كل ما تبقى له بعد أن خسر بيته ومعظم ممتلكاته.

كثيرون هم من اعتقلوا وحجزت سياراتهم، ولم يتمكنوا من استرجاعها، لتستخدمها الأفرع الأمنية «للتشبيح» بين المواطنين، وملاحقة «العصابات المسلحة»، حسب زعمهم؛ وكثيرًا ما شاهد مواطنون سيارات أقربائهم المعتقلين يقودها الشبيحة يجوبون بها الشوارع والطرقات. ولم يكن أمام البعض سوى إنشاء صفحات تطالب بالحرية لهذه المركبات المسروقة من قبل النظام. وقد رويت قصص كثيرة عن «اعتقال» سيارات المواطنين، ولكن قليلون من تتبعوا مصير هذه السيارات، أو سمعوا عن كراج الكباس.

كراج الكباس، مرآب قديم للسيارات يقع على طريق المليحة في الغوطة الشرقية، تحتجز فيه السيارات المخالفة أو المحتجزة من قبل المحكمة لأسباب قانونية. مؤخرًا، أُنشئ مرآب كبير آخر بجانب الكراج القديم، ليستخدم لاحتجاز سيارات المعتقلين الذي تم تحويلهم إلى محكمة الإرهاب. فاليوم، يحوّل المعتقل مع مركبته إلى المحكمة المذكورة، حيث يقرر تحويل المعتقل إلى أحد سجون النظام، وتحويل سيارته إلى كراج الكباس لتحتجز إلى حين الإفراج عنه.

تتحدث أميرة، إحدى المعتقلات المفرج عنهن، عن تفاصيل رحلتها الطويلة للحصول على سيارتها، فقد أمضت شهرًا ونصف بعد الإفراج عنها، كانت تذهب خلالها يوميًا إلى محكمة الإرهاب إلى أن وافق القاضي على تسلميها قرار فك احتباس سيارتها.

تقول أميرة أنها كانت سعيدة حين ذهبت إلى الكراج لتستلم سيارتها، وعند وصولها أخبرت طاقم «الشبيحة» الموجود هناك، الذي رحب بها باحترام، أنها جاءت لاستلام سيارتها. ليبدأ الشبيحة بتقديم أعذار مسبقة في حال لم تجد سيارتها داخل الكراج «سرق من كراجنا 75 سيارة من قبل العصابات الإرهابية؛ استشهد منّا 15 عنصرًا بينما كنا نحاول حماية سيارات المواطنين»، ويضيف أحدهم «أتمنى من كل قلبي أن تجدي سيارتك عندنا … ابحثي عنها بين السيارات». وانطلقت أميرة تبحث بين «أكوام الحديد» حتى وجدت سيارتها، ولكن بحالة مزرية: الدواليب متلفة، المرايا الجانبية قد خلعت، وكذلك غطاء البنزين، فيما يبدو أنه من الأفعال التخريبية التي قامت بها «العصابات المسلحة».

اتجهت أميرة بعد ذلك لدفع الرسوم المالية المترتبة على «إقامة» السيارة في كراج الكباس، فدفعت 45 ألف ليرة لشبيحة الكراج لإتمام معاملة فك الاحتباس: 8000 ليرة أجور نقل من فرع الأمن إلى الكراج، و200 ليرة عن كل يوم بقيت فيه السيارة في الكراج.

أخرج واحد من الشبيحة السيارة من بين السيارات وبدأ بإصلاح دواليبها، ومن ثم بغسلها وسط استغراب أميرة، الذي ما لبث أن زال فور انتهاء الشبيح من غسيل السيارة، إذ قال لها «تفضلي مدام، هي سيارتك .. الحمد الله على سلامتها، بدنا الحلوان». أعطت أميرة الشبيح ألف ليرة، فتجمع بقية الشبيحة يطلبون «حلوان طلعة سيارتها بالسلامة»، فدفعت مبلغ 8000 ليرة إضافية حلوان سلامة السيارة دون أن تنطق بكلمة، وكل همها أن تخرج من ذاك المكان، ودعواتها –في قلبها- بأن «يحطوهم على صحتهم» كما تقول.

وتضيف أميرة أنه وخلال انتظارها في الكراج جاء أحد عناصر مخفر باب مصلى وطلب من الشبيحة المسؤولين عن الكراج أن يجهزوا له سيارتين، له ولصديقه، فأشار إليه الشبيح أن يدخل ويختار السيارة التي يريد. كما جاء عجوز يريد فك احتباس سيارته أيضًا، إلا أنه بحث عنها مطولًا ولم يجدها؛ فلم يكن من عناصر الشبيحة إلا تقديم العزاء للحاج لاعنين «العصابات المسلحة» التي سرقت منه السيارة، «بعوضك الله يا حجي.. شو بدك تعمل».

وبينما كانت أميرة تهمّ بركوب سيارتها «المهترئة» والخروج من الكراج جاءت سيارة مليئة بالشبيحة وطلبوا من صاحب الكراج إعطاءهم «هذه السيارة التي يبدو وضعها جيدًا» مشيرين إلى سيارتها، لكنه طلب منهم البحث عن غيرها فـ «حرام، هذه السيارة للمدام.. دفعت عليها الآن». تمكنت أميرة من مغادرة الكراج مع سيارتها ولكن المعاناة لم تنتهِ هناك، فتكاليف إصلاح السيارة جزئيًا تجاوزت الـ 150 ألفًا، ولا تزال إلى الآن على غير ما يرام.

في الوقت الذي يدّعي فيه «مسؤولو» الكراج التضحية في سبيل حماية ممتلكات المواطنين، ويتهمون «العصابات المسلحة» بسرقتها وتخريبها، نراهم أمام أعيننا يفرّطون ويسرقون علنًا دونما استحياء؛ فهذا ما آل إليه شكل الدولة في ظل هذا النظام، عصابات ممنهجة تسرق وتعبث وتزيد معاناة المواطنين كيفما أمكن لها، دون رادع أو محاسب.

تابعنا على تويتر


Top