غوغاء روما وديمقراطية السوريين.. (أسماء الجُمَع- اسم الدولة- مؤتمر جنيف) نموذجًا

معتز مراد

في روما القديمة، كان مصطلح الغوغاء يُطلق على عامة الشعب الغير مثقف والغير سياسي، والذي يمكن لقيادات روما أن تتحكم به حسب أهوائها ومزاجها السلطوي، من خلال مغريات مالية ومعيشية معينة. حيث بلغت الجرأة بأحد ملوك روما بأن يُعيد مباريات المصارعين العبيد في «الإكليروس» ميدان المصارعة الأكثر شهرة عبر التاريخ بعد أن أوقفت لسنوات طويلة، في مسعى للسيطرة على الشعب وتلبية رغباته وتسليته، في مواجهة مجلس الشيوخ المعادي لسياسته. هذه الحالة من الحكم في روما كانت تُسمى بالديمقراطية، وكانت تُعتبر درجة متدنية من درجات الحكم الذي تقتضيه الضرورة وقوة الدولة. فكانت أصوات تلك الجماهير هي الشرعية التي يضرب بها أولئك الحكام بيد من حديد، ويحددون بها مصلحة الإمبراطورية في فترة من تاريخها، ولكنها كانت الفترة الأكثر انحطاطًا.

ربما هناك حالة مشابهة نعيشها في الثورة السورية، وهي ديمقراطية بعيدة عن التخطيط ومعاهد البحث الاستراتيجية. يصنعها الشعب الثائر والغير ثائر، المثقف والغير مثقف، السياسي والغير سياسي. فالكل يريد أن يتدخل في الأمور الكبيرة والصغيرة ويعبّر عن رأيه في قضايا عليها أولًا أن «تتخمر» ويُتفق عليها بين السياسيين والمفكرين والباحثين الاستراتيجيين، قبل أن تنزل إلى الشارع ليتم التصويت عليها. وفي معنى آخر، هناك أمور لا يمكن أن يتم التصويت عليها بشكل عشوائي، لأنها ربما تهدد الأمن القومي والإقليمي والمستقبل الاستراتيجي للوطن، وعندما يتم القرار بالتصويت على قضية معينة، فيجب التصويت بين نظائر لا تهدد ذلك المستقبل، أو يتم التصويت في وقت وزمان مناسبين، تكون فيه البلاد في مأمن من التقسيم والتهديدات المتعددة، لا في زمن كل شيء فيه أصبح واردًا. ولنطرح ثلاثة أمثلة على تلك الحالات.

أولًا- أسماء الجُمَع في الثورة: فقد كان من المفترض لتلك الأسماء أن تعكس أولًا وأخيرًا مصلحة الثورة ومستقبلها السياسي، لا رأي الشارع بشكل عام. فرأي الشارع متبدل، وربما في كل أسبوع يخرج بمطلب جديد، ولكنّ الثبات على المبادئ المعلنة ولو طال الزمن هو مايحقق النتائج والأهداف المرجوة. وصلت بنا الحالة في تلك المسميات لأن تصبح أسماء الجمع «عند السياسيين والمثقفين بشكل أساسي» شيئًا ليس له قيمة، فلم تعد تلك الأسماء جزءًا من عملية سياسية، بل أصبحت شيئًا له علاقة بالمزاج الشعبي والمال السياسي والضغوط الداخلية والخارجية الأخرى.

نذكر كيف كانت هناك أسماء تعكس تمامًا مصلحة هذا الشعب العظيم وثورته (الجمعة العظيمة- جمعة أطفال الحرية- جمعة حمزة الخطيب- جمعة صالح العلي- جمعة العشائر- جمعة آزادي- جمعة ثورة لكل السوريين) في حين أنّ الكثير منها كان لا علاقة له بالتوجه أو الهدف الأساسي من الثورة كـ (جمعة لا للحوار – جمعة سلّحونا بمضادات الطيران – جمعة أصابع النصر فوق القصر)، والكثير غيرها. كان يفترض أن تكون هناك لجنة سياسية من شخصيات مشهود لها بالوعي وبعد النظر والحرص على سوريا، لتطرح ما يمكن طرحه للتصويت وتحجب كل شيء عداه.

ثانيًا- اسم الدولة: وقد برزت هذه القضية بشكل كبير بعد السنة الأولى في الثورة السورية، حيث بدأ الخلاف بين مصطلح الجمهورية العربية السورية والجمهورية السورية، وراح هذا الخلاف يصبح خلافًا بين الناشطين والثوار المدنيين والمسلحين، وبين الأطراف السورية (العربية والكوردية)، في مشهدٍ بات يهدد وحدة البلاد جغرافيًّا. في حين من المفترض أن يكون هذا الموضوع «الاستراتيجي» من اختصاص لجنة قانونية-سياسية مشهود لها سوريًّا، ويتم الاستفتاء على نتيجة مقررات تلك اللجنة بعد إعطائها أكبر مدة ممكنة لتوضيح ما وصلت إليه في البرلمان السوري وليس للشعب كله ضرورةً. وربما يتوقف ذلك التصويت في حال وجد أعضاء تلك اللجنة أن نتيجة التصويت قد تؤدي إلى تمزيق البلاد وشَرذَمتها. فالمطلوب هو عقد اجتماعي بين الفرقاء، وليس فرض حالة على فريق بشكل يؤدي به لأن يستنجد بالخارج ليحقق ما يريد. طبعًا قد تجد تلك اللجنة «من باب الحكمة والحرص على مستقبل الوطن» أن يكون اسم الدولة «سوريا» من دون إضافات أخرى، أسوةً «بكندا» على سبيل المثال.

ثالثًا: مؤتمر جنيف: لا نجد في هذه الأيام قضية تثير الجدل كما يثيره مؤتمر جنيف وضرورة حضوره من عدمها. ولا نخفي حجم القلق والفوضى وضبابية الرؤية التي تحيط به بعد كل تلك التجاذبات الدولية والداخلية السورية بين الفرقاء. ولكن لا يمكن لمؤتمر بحجم جنيف أن يُحدّد مصير المشاركة فيه «هواة السياسة» أو «المعارضون الهواة». جنيف يحتاج إلى سياسيين من نوع دولي، يستطيعون مقارعة السياسيين الغربيين المتمرّسين ومفاوضي النظام «المخادعين إلى أبعد مدى». جنيف بحاجة لمن يستطيع تحقيق مكاسب سياسية واضحة على طاولة المفاوضات، وليس لمن يحفظ لاءات كثيرة من نوع (لا للتفاوض مع النظام المجرم- لا للحل السياسي- لا لخيانة دماء الشهداء- لا لخيانة مبادئ الثورة و…).

الشعب عمومًا سوف يكون سعيدًا أكثر ومرتاحَ البال عندما يعلم أن قبلته هي مكة مع حرية الصلاة في أوقات وأزمنة متعددة. وكذلك الحال عندما يكون أمامه حلول واحتمالات يكون واثق من جدوى طرحها، لأنه واثق بتلك القيادة السياسية التي حددت له الاتجاه الصحيح أو البوصلة الثورية. وليس أن يُسمح له أو يُعطى الحق في تقرير مالا يمكنه تقريره. وهذا ليس انتقاصًا من أحد، فالعالم كله شهد على شجاعة السوريين الأسطورية، ولكنّ لكل مقامٍ مقال، والحياة حرب وسياسية.

تابعنا على تويتر


Top