في الدنيا نور.. وفي الآخرة حبور.. إن شاء الله

marter.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 16- الأحد – 20-5-2012

 

عاد يومًا ومعه صورة تضمه مع رفيقي دربه الشهيدين (فهد الزبيدي، وخالد اللحام)، وكتب الأسماء الثلاثة معتبرًا نفسه في ركبهم، ولكأنما كان يعد العدّة لهذا اللقاء، فلم يستطع أن يبقى بعيدًا عنهما سوى أيام معدودة، لنرفع الغطاء عن الصورة، ونعلقها في صدر بيتنا، فلهؤلاء الأبطال صدور البيت ولنا العتبات.

هكذا بدأت أم الشهيد نور زهرة حديثها، عندما قمنا نحن نساء داريا بزيارتها وتهنئتها بابنها الشهيد، لا أخفيكم سرًا كم بدت الفرحة على محياها عندما علمت أننا من داريا، إذ انتعشت وكأنها تشم فينا رائحة ابنها، ثم استحلفتنا بالله أن نروي لها ما حصل، وكيف استشهد ابنها، لتتلعثم حروفها بدموعها التي ما فتئت تنهمر عندما قالت إحدانا: «ابنك نور ابننا.. ويارب كما جعله نورًا في الدنيا، سيجعله حبورًا في الآخرة، ولم تسمح لنا قلوبنا المتفطرة على تلك الأم أن نروي لها مشهد استشهاده، التي آلمت حتى الحجر، لم نطلق العنان لحروفنا أن تتجمع وتقص عليها القصص، فقلبها قد اكتفى وقصتنا لن تسعفها من غمرة حزنها.

ثم تقول أم الشهيد «قبل ثلاث وعشرين يومًا ذهبنا أنا وأم الشهيد خالد اللحام إلى داريا لتهنئة أم الشهيد فهد الزبيدي بابنها، الذي استشهد بعد إطلاق النار عليه برصاصات الأمن السوري على أحد الحواجز الأمنية، أمام عيني نور، ثم ليشاء المولى أن يسوق ابني إلى داريا، فيستشهد في نفس شارع بيت فهد، أتراها صدفة كانت، أم طيف صديقه الذي لم يفارق مخيلة نور دفعه ليذهب هناك؟».

تجلس النسوة في مجلس العزاء، يتبادلن أطراف الحديث، يوقدن بكلماتهن حبًا لقضية آمن بها نور، لتزداد حرارة هذه الكلمات، دون أن تطفئ دموع الأم لهيب المشهد، بل تضفي عليه قداسة وتمسكًا بما استشهد لأجله نور وشباب سوريا الأحرار.

ثم تروي لنا مقتطفات من حياة ابنها، من مشاركته في الثورة، إذ عُرف بين أبناء بلدته كفرسوسة بأنه الرجل البخاخ، صاحب الهمة العالية، الذي تقذفه الريح لا لتهوي به، بل ليقف صامدًا في وجه الطاغية، بقلمه الحر وأدواته التي زينت شوارع المدينة، إذ ترك في كل شارع ذكرى لأهله، يعبقون من رائحتها، ويسندون كتفهم إلى ذاك الحائط لتكون لمسات نور سندًا لهم، وكلماته المكتوبة عضدًا يتآزرون به.

وتتذكر الأم كلمات نطقها ابنها، وكل أركانها ترتعش فابنها لا ينطق إلا حقًا، فكثيرًا ما كان يردد «لن نصمت لعصابة الأسد، إذ نُباع ونُشرى بأرخص الأثمان التي يتمتع بها الأزلام الأعوان، ثم نُسبى ونُطرد حتى يهنأ الأوغاد، فإلى متي يا أماه سنبقى عبيدًا لهؤلاء الأسياد؟، وإلى متى سننظر إلى جراحنا التي لن تندمل دون صدق في تحركنا لإبعاد الطاغية وأعوانه؟».

ثم كانت تصف حاله عندما يعود من المظاهرات، إذ البشاشة لا تفارق وجهه الملائكي، وكل مرة وكأنما يرى النصر في عينيه -أو ربما كان يرى مقعده في الجنة بجوار النبيين والصديقين مع الشهداء والصالحين- وكان يحكي لي كلمات ليست كالكلمات، تُرى من الذي علمك كل هذا يا ولدي؟ هل رضعت ذلك مع حليبي ومن ثديي؟ أم ما آل إليه قومك جعلك تعزف على أوتار الحقيقة أشعارًا تتركها عبرًا وعبارات على الجدران، حتى يعتبر بها بنو أمك!.

نور زهرة، له من اسمه نصيبه، إذ كان كما تقول أمه نور حياتها، نورًا أعاد لسني عمرها شبابًا أخذه معه إذ رحل، وزهرة فاح عطرها في زوايا الدار، ومن ثم لتعبق رائحة دمه الطاهر بكل الأركان، فتبقى البلسم الذي سيداوي جراحي.

نور وزهرة وحياة حولها إلى رحلة سياحية نشر فيها النور على بني جبلته، وترك منه آثارًا على الجدران، وورودًا لن نبرح عاكفين على أعتاب حديقة تضحياته ورفاقه علّنا نلتمس لنا دربًا، أو شجرة وظلًا.

تابعنا على تويتر


Top