جنيف، صفقة رابحة أم خاسرة

معتز مراد

لو استطاع الجيش الحر أن يُسقط النظام السوري عسكريًا أو استطاع النظام القضاء على الثورة بواسطة كل الوسائل الهمجية التي استخدمها ضد شعبه، لما كنّا اليوم نتكلم عن جنيف. فمؤتمر جنيف هو محاولة لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية المستمرة منذ أكثر من سنتين ونصف. ولكن يحدث بالتوازي مع الكلام المستمر عنه الحديث عن صفقة يتم تحضيرها بين القوى العظمى، من التفافٍ على الثورة وبقاءٍ لبشار الأسد على رأس السلطة وتسليم معارضين موالين للنظام السوري قيادة المرحلة الانتقالية، وأنّ لا حكومة كاملة الصلاحيات ستكون في الأيام القادمة.

وخلال الشهر الأخير وتحت رعاية قطرية مباشرة، تم التنسيق ولأول مرة بين قيادة الأركان «المعاد هيكلتها لتشمل غالب القوى والتشكيلات العسكرية المقاتلة في سوريا» وبين الائتلاف الوطني لقِوى الثورة والمعارضة بعد أن حقق تقدمًا كبيرًا بضم المجلس الوطني الكردي إلى صفوفه، وتم الاتفاق على الذهاب إلى جنيف بشرط ألاّ يكون للأسد دور في المرحلة الانتقالية وأن تكون الحكومة الانتقالية كاملة الصلاحيات، وأن يسبق ذلك دخول المساعدات الإنسانية للمناطق والمدن المحاصرة.

رحّبت الولايات المتحدة بقرار الائتلاف واعتبرته خطوة كبيرة. وفي نفس الوقت تمّ الإعلان عن تشكيل الحكومة المؤقتة برئاسة الدكتور أحمد طعمة، الأمر الذي وجد صدى جيدًا عند الدول الداعمة للثورة، حيث بادرت ألمانيا بتقديم مبلغ فوري قدره 60 مليون يورو من الأموال المجمدة للحكومة السورية. ومنذ يومين وجهت القيادة الروسية دعوة رسمية إلى قيادة الائتلاف للحضور إلى بلادها لإجراء محادثات مشتركة بشأن مؤتمر جنيف.

هذا التقدم السياسي أثّر -على سبيل المثال- على قيمة الليرة السورية أمام الدولار، حيث زاد سعر الصرف من 125 إلى 155 تقريبًا.

يمكننا أن نعتبر أن الثورة السورية قد خرجت من عنق الزجاجة ودخلت الملعب السياسي الدولي، فهي ستذهب إلى جنيف بشروط واضحة أساسها مقررات جنيف1 الستة التي صاغها المبعوث الدولي السابق إلى سوريا كوفي عنان، مع انتقال سياسي من دون الأسد عبر حكومة كاملة الصلاحيات كما قرر جنيف2. ويعلم اللاعبون الدوليون أنهم لن يستطيعوا الضغط كثيرًا على الطرف السوري المعارض في مفاوضاته، فقبوله بالذهاب وفق الشروط الأخيرة استغرق جهدًا ووقتًا طويلين.

ولكن ماذا بشأن الصفقات السرية التي يجري الحديث عنها، وهل يمكن أن نخسر عبر المشاركة في جنيف أم أنّنا «على أسوأ تقدير» إن لم نربح فلن نكون خاسرين؟ لنفترض أن الحكومة لن تكون كاملة الصلاحيات وأن البنود الستة المحددة في جنيف1 لن يتم تنفيذها بشكل كامل. أي لنفترض أن إعادة هيكلة الجيش والقوى الأمنية لم يكن بالشكل المطلوب الذي نتمناه ولكنه بدأ بطريقة من الطرق، وأنه لن يتم سحب جميع وحدات الجيش السوري من المدن كما تم الاتفاق، وأنّ المساعدات الغذائية دخلت بشكل محدود إلى المناطق المحاصرة، وأن وقف إطلاق النار لم يكن كاملًا بل كان هناك خروقات معينة، وأنه في المرحلة الانتقالية دخلت عشر وسائل إعلام حرة فقط مع مراسليها وصحفييها لتغطية الأحداث، ألن يكون ذلك انفراجًا كبيرًا بالنسبة للثورة السورية والشعب السوري؟ وهل بقاء الحالة على ما نحن فيه أفضل أم أن تبدأ مرحلة انتقالية يعرف الجميع أنها ستكون صعبة وشائكة وذات مسار طويل.

لو كان بالإمكان أفضل مما كان لما اضطررنا للذهاب إلى جنيف، ولما اضطر البوسنيون والصرب قبل عشرين سنة خلت إلى الذهاب إلى دايتون لإنهاء الحرب التي استمرت أربع سنوات بعد فشل الحل العسكري في حسم الصراع، ولكن دايتون كان إعلانًا لنهاية الحرب وبداية للعملية السياسية الطويلة والمعقدة. وكذلك جنيف، هو إعلان نهاية الحرب العسكرية، وبداية تلك العملية السياسية المحفوفة بالمخاطر والصعوبات، ولكنها المسار الحتمي الذي علينا الدخول فيه، إن لم نكن راغبين فمضطرين.

تابعنا على تويتر


Top