الثورة ما بين وجهها «المشرق» والمستقبل «المظلم»

لمى الديراني

وصلت سوريا في الآونة الأخيرة إلى مرحلة من اليأس الذي تغلغل إلى نفوس معظم الثوار، خصوصًا في ظل هذه المرحلة التي تتسم بالبعد عن أهداف الثورة في الحرية والعدالة والكرامة أولًا وأخيرًا. فالمناطق المحررة باتت أسيرة جشع من تسلقوا على أكتاف الثورة «لينهبوا» خيرات البلد فيها، كما باتت أسيرة تبعية معظم المقاتلين إلى أجندات تتلاعب بالمقاتلين كأحجار النرد، فتارة تقذفهم يمنة وتارة نحو اليسار. والعدالة باتت تتحقق بنزوة غضب لفلان من الناس أو بمجرد شك يخامر عقل أحدهم لينفذ حكمه بقطع رأس أو خطف أو اعتقال، والكرامة ذبحت على محراب الجوع والبرد والتشرد في براري الوطن، ما بين افتراش التراب أو اتخاذ الغابات والأحراش بيتًا والتذلل لنيل لقمة الخبز إن وجدت.

والصورة التي كانت تعشش في الأذهان لوطن محرر يسوده التنظيم والعمل المدني الحر، بوجهه المشرق بعيدًا عن السرقة والاغتيالات والانتقام وتطبيق شرائع وأحكام تتوافق وهوى من نصب نفسه «آمرًا ناهيًا» بحكم سطوة المال والسلاح، والغانم من يسن قانونًا جديدًا، تبدو اليوم أبعد منالًا مما كانت عليه عند انطلاقة الثورة.

غياب التنظيم والعمل الجماعي أدى لفقد السيطرة على المناطق المحررة وتقطعها بأيدي فئات قليلة، كل فئة بما كسبت رهينة، قلة قليلة تكافح للحفاظ على نبض الثورة فيها، وتعاني الأمرين في سبيل تحقيق هدفها، فقد باتت الفئة الغريبة التي تمسك على مبادئها كالقابض على الجمر في ظل انتشار بدائل للنظام بثياب أخرى، وفئات تعمل على بتر الثورة من جذورها.

في الضفة المقابلة، وفي دمشق بالتحديد، وجه النظام «اللامع» بدا يظهر جليًا مؤخرًا في الجمعيات التي يتم العمل على تأسيسها في كافة أنحاء العاصمة وريفها، منها للعناية بالمرأة ومنها للعناية بالطفل ومنها للنازحين ومنها للنوح على ما آلت إليه أحوال البلد على أيدي «الإرهابيين»، هنا دمشق، الوجه الناصع، مؤسسات للعمل المدني ينتسب إليها حتى من كان يحسب من طرف الثورة، فالعمل تطوعي مأجور لاستقطاب المزيد من المتطوعين، وعمل تلك المنظمات يجري على قدم وساق، فلا المؤسسات الأمنية تقمعها ولا الحواجز العسكرية المنتشرة كالنار في الهشيم توقف تقدمها، فهي تأسست بكارت أخضر من «معالي سيادة الرئيس أو حرمه».

المصيبة أنه وبسبب الدمار الهائل الذي تسببت به آلة الحرب الأسدية، وتشرد معظم الشعب السوري دُفع بالعديد من المدنيين إلى التحول إلى «وحوش» همها الوحيد الحياة، فذل الحياة بات مريرًا والبقاء للأقوى. وفي ظل انعدام الأمن والمأوى، جل المدنيين باتوا يستذكرون الأيام الخوالي ويتمنون عودة الاستقرار بوجود الأسد أو عدمه، المهم أن تعود الحياة حياةً كما كانت. وهي الخطة التي عمل النظام على تطبيقها إعلاميًا وسياسيًا وعسكريًا، والطامة الكبرى أن بوادر نجاحه بدأت تظهر مع ازدياد تشرذم السوريين في صف المعارضة.

الكل يلوم معارضة الخارج على عدم توحدها وانقلابها على بعضها، في الوقت الذي عجز فيه ثوار الداخل عن توحيد عملهم المدني أو العسكري حتى، فالمناطق المحررة تخلو تقريبًا من التنظيم المدني، وجهود الإغاثة عجزت عن التخطيط والتنسيق فيما بينها لسد العجز الحاصل في مناطق دون أخرى، كما عجزت عن تأمين اللقاحات والمعونات الغذائية بسبب عدم التنظيم والتخطيط، وبقيت المناطق «المحررة» تعاني قصفًا وحشيًا وحصارًا أمنيًا وتكالبت عليها كل القوى حتى الثورية بقصد أو دون قصد.

تحرير لمستودعات أسلحة تحوي كميات مخيفة من السلاح، لازال تحريرها بعيدًا كل البعد عن المناطق المحاصرة، فلا هو ذهب إليها لفك الحصار ولا عرف مصير هذا التحرير بعد. حقول النفط التي تسيل ذهبًا أسودًا ملأت جيوب قلة قليلة من المنتفعين الذين عملوا جهدهم لزيادة الحصار على المدن المحاصرة، ولا زالت عملية تكديس الأموال مستمرة. والقلة القليلة التي تقاتل لأجل الوطن وإعلاء كلمة الحق لا قبل لها بمقارعة المنتفعين والنظام في آن معًا، فحصارها أدماها والجوع فتك بها في الوقت الذي امتلأت فيه بطون وجيوب تجار الحروب.

لا يبدو أن هناك حلًا في الأفق سوى باستفاقة تستنهض الهمم الفاترة والقلوب التي أعماها الطمع، حتى من الثوار القدماء، فالتفكير بمنطق أنا ومن بعدي الطوفان لم يجلب إلا الدمار لسوريا منذ انطلاقة الثورة، فسفينة الإنقاذ تتمثل بروح العمل الجماعي وأن يدرك الكل أن نجاح الفرد لا ينفع وأن خسارة الفرد لا تؤلم، المهم نجاح الفريق والكل عليه العمل لجعل المركب يسير في طريقه لا خرق القارب، وأن خرق الفرد للقارب لن ينجيه، فغرق المركب يعني غرق كل من عليه، ولا ناجون من مركب غارق في عباب بحر متلاطم الأمواج.

تابعنا على تويتر


Top