فنجان قهوة.. بعد ستة أشهر

imgid60694.jpg

«يلا عشر دقايق وبوصل لعندكم»

«أوك ناطرينك ع القهوة… سلام»

جزء من حديث طالما تكرر في محادثتنا اليومية مع أخي، محادثة عادة ما تعقبها «لمة الأخوات» و «دولة» قهوة ونصائح من أمي تطول عن أضرار الاكثار منها؛ إلا أن ما حصل ذلك اليوم كان مختلفًا تمامًا.

مساء ذلك اليوم كان أخي على بعد دقائق من البيت، توقف عند السوبرماركت ليحضر بعض المستلزمات للمنزل، وتابع مسيره لتستقبله سيارات غريبة عن حينا، يترجل منها عناصر الأمن وسط ضوضاء استرعت انتباهنا في الداخل، وقبل أن يدرك أي منّا ما كان يحصل، كانت أمي قد هرعت إلى باب المنزل تجادل عناصر الأمن التي دخلت المنزل دونما استئذان بعد أن «اختطفت» أحمد بحجة أنهم يريدون منه أن يدلهم على عنوان أخي الثاني.

لم أستطع رؤية أخي ذلك اليوم، لكن صوته كان واضحًا، ثابتًا، هادئًا، كان يريهم هويته الشخصية، ويوضح لهم أنه ليس الشخص المطلوب، ويسأل عن سبب توقيفه. «عشر دقايق ومنرجعو»، هذا ما قاله الضابط المسؤول محاولًا إنهاء جداله مع أمي التي ردت عليه بعصبية «أهذا ما علمه إياه رئيسكم.. تقتحمون البيوت دون استئذان!»، فرد الضابط بعصبية أكبر «رئيسكم ورئيسنا!»؛ ثوان وسمعنا صوت السيارات تغادر الحي بسرعة جنونية.

كنا على يقين من كذبهم، ولكن داخلنا أمل ودعوات بأنه سيعود بعد عشر دقائق.. بعد نصف ساعة.. عند منتصف الليل.. بعد قليل.. صباح الغد، أو الغد الذي يليه، أو الغد الذي يليه.

أيام طويلة مضت قبل أن يأتي من يحمل خبرًا يطمئن قلوبنا، بأن أحمد «بخير» وفي عهدة المخابرات الجوية؛ وستة أشهر مضت إلى أن عاد أحمد، تذكرناه خلالها مع كل فنجان قهوة، ومع كل رنة هاتف، وكّلما استخدمنا شيئًا من الأغراض التي اشتراها ذلك اليوم.

عاد أحمد من «زيارة مصطفى» حسب ما وصف الفترة التي أمضاها في المهجع نفسه مع صديقه الذي صادف اعتقاله قبل يوم واحد فقط من اعتقال أحمد؛ عاد بمرحه المعتاد، وبشخصيته الواثقة، عاد حاملًا «التطمينات» لأهالي المغيبين في الداخل، إلا أنه  كان يحمل أيضًا ألمًا عميقًا بأن معاناة مصطفى وأصدقاء تعرف عليهم داخل المعتقل وآخرين لا تزال مستمرة، وكان أوّل ما نشره على صفحته على الفيسبوك: «الحمد لله.. عدت بعد طول تغييب.. وتبقى الغصة أن الآخرين لم يعودوا…»، عاد لنجتمع على فنجان قهوة بعد «عشر دقائق» طالت قرابة نصف عام.

تابعنا على تويتر


Top