مذكرات معتقلة

عنب بلدي – العدد 93 – الأحد 1/12/2013

فاديا ساب

كانت جالسة تتأمل كتابات من سبقوها على جدران هذا الجحيم «يا ظلام السجن خيم نحن لا نخشى الظلام، وبشر الصابرين إذ صبروا، اسكندر، حنان، اللهم اجعل من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا هيثم 1982»، تبتسم عند اسم هيثم، وتبدأ برسم المدرج الموسيقي، وطفلة ومنزل وأشجار.. تنتهي صديقتها من الصلاة، تتبادلان ابتسامات ملؤها الأمل، ليقطع لحظة الهدوء تلك صراخ شاب، وتصبح الحركة في الخارج مرتبكة وغاضبة، فتقول لها صديقتها هدى: جابوا شب يا رب الطف وكن معه اللهم لا حول ولا قوة إلا بك، اللهم إنا مغلوبون فانتصر. تغلق نافذة الباب بقوة، يقف السجان على باب غرفة اعتقالهما ويدق بعصاه الغليظة على الطاولة دقات متتالية ورتيبة.

يصبح الرعب سيد الموقف، فتناجي المعتقلتان الله أن يخفف الآلام والخوف عن هذا الشاب، فأنينه يدمي القلوب. وبعد برهة استدعيت هدى للتحقيق من جديد، ولكن هذه المرة دون أن تقيد بتلك الأغلال الهمجية (الكلبشةوالطميشة)، ودخلت الطمأنينة إلى قلبها قليلاً لأنها لم تسق إلى ذاك الجلاد الذي لطالما شهد جسدها الصغير حقده الدفين على من أراد له الحرية، لتبدأ معها لعبة المحقق «اللطيف»: أهلاً أهلاً، تفضلي استريحي، بتدخني؟ لا شكرًا أنا ما بدخن…

المحقق: شو رأيك بكاسة شاي…

ردت بصوت خافت مرتجف: لا شكرًا ما بدي عذبكن معي…

المحقق: يا صبية هالشب.. وتنهمل عشرات الشتائم عليه ومع كل حرف يخرج من فمه تزداد وجنتاها احمرارًا وخجلاً، خوفًا وغضبًا.. هالشب عم يقول إنتي يللي كنت تدليه على المظاهرات. نظرت هدى إلى الشاب بقلق، ورأته غارقًا بدمائه، وحاولت التعرف عليه، تمتمت: قلي شو لازم قول؟ فرد عليها الشاب: لا تخافي لو بموت ما بعترف ع صبية.

نهض المحقق بخطوات غاضبة وانهال على الشاب بضرب مبرح. فأشاحت بوجهها عنهما لتقع عينها على ورقة مهملة على الطاولة، ولتشعر بعدها بالزمن يتوقف، ما عادت قادرة على سماع استغاثات الشاب ولا الأغاني الصاخبة ولا صراخ الجلاد على معتقل آخر في نهاية الممشى، كل ذلك تلاشى حين وقعت عيناها على اسم أخيها مسبوقًا بـ «الإرهابي» لاحقًا به «تم إلقاء القبض».

وبلحظتها اغتالت هدى الخوف الذي اختطفها وصرخت بوجه المحقق: بكفي ليش اعتقلتوه ليش شو عملكن ليش اعتقلتو أخي، أخي مو إرهابي أخي مو إرهابي، أخي بيعشق الحياة أخي متفوق بدراستو وناجح بحياتو  ليش… فدخل المحقق والشاب بحالة ذهول، وركض المحقق لطاولته ووضع مصنفات سوداء على كل الأوراق الموجودة وقال لها: ما اعتقلناه إهدي، فعلا صوتها المجروح أكثر فأكثر، وشدت على مخارج الحروف: طلعو أخي عم قلكنطلعو أخي، بنتحر أقسم بالله هلق بنتحر، طلعو أخي، أخي مو إرهابي، وعلا صراخها المتألم أكثر فحضر كل العناصر في ذاك الممشى، وأدخلوا الشاب إلى غرفة أخرى، فازداد صراخها: أقسم بالله بنتحر خافو الله بإمي وأبي، شوعملنالكن خافوا الله يللي ما بتخافو الله … فقاطعها المحقق: والله ما اعتقلناه، تشابه أسماء إهدي فوتوها لجوا شيلوها من خلقتي.

أمسك العناصر بيديها النحيلتين، عنصران ضخما الجثة، نظرت إليهما بعيون كلها رجاء: كرمال الله موتوني وتركو أخي، أخي ماعمل شي والله مو إرهابي أخي، فرد عليها أحدهما: منعرف والله منعرف بس إهدي انت شوي هدي، ثم أدخلوها بالقوة إلى غرفتها وأغلقوا الباب بعنف. كل ما تذكره هدى أن صديقتها في المعتقل عانقتها بقوة وحاولت أن تخفف عنها بكلماتها الإيمانية: سلميه لله وأمك رب العالمين معها لا تخافي إهدي…

نامت هدى لدقائق مدثرة بيدي الصديقة التي كانت كهدية رحمانية، تجتاحها عشرات الأحلام المزعجة لتثور من جديد تعود للصراخ: افتحولي.. افتحو الباب طلعو أخي، أنا المذنبة أخي ما دخلو، وبدأت تعاقب نفسها بضرب رأسها على الحائط عدة مرات، فتقوم صديقتها بتهدئتها حتى تعود للنوم العميق على وقع القرآن بأذنيها.

أصبحت هدى في الأيام التالية كلما سمعت صراخ الشاب المحبب لقلبها تقول: هاد أكيد أخي عم يعذبو أخي، تدق على السجان: أرجوك بكفي تعذيب لأخي، موتوني أنا وتركوه كرمال الله.

يحلف السجان لها بأن أخاها ماعاد موجودًا في هذا الفرع، لكنها لم تكن تصدقه، فهي تعلم بأنهم يكذبون، ومع كل صرخة لكل شاب تناجي ربها العظيم: يارب خفف عن أخي، هاد صوتو، يارب كون معو، يارب سخرلو ملائكة تحميه، يارب كون معو، ومضت أيام الاعتقال وهي تسمع صراخه وتصلي لله: يارب أخي…

أغلقت تلك الصفحة السوداء ومضت أشهر وسنة عليها، تحققت مما حدث، أحضروه للضغط عليها، وحين هددت بالانتحار مرارًا أطلق سراحه، ولم تكسرها ضربات الوحوش وتهديداتهم المتكررة لها بالقتل والاغتيال إن عادت لمحاولة كسر أغلال الظلم والحقد قبل إطلاق سراحها هي الأخرى، وهي إلى الآن لا تزال صرخات إخوتها -الذين لم تعرفهم يومًا- تلاحقها، تحاصرها، وتخنقها.

تابعنا على تويتر


Top