التدخين.. معاناة مهمشة في قلب الحصار

-لتقرير-التدخين-1.jpg

عنب بلدي – داريا

في الوقت الذي تتناقل فيه وسائل إعلام محلية ودولية فرض هيئات شرعية مدنية وعسكرية في مناطق الشمال السوري «المحرر» لقرارات بمنع التدخين أو تجريم بيعه أو تداوله، وبعيدًا عن تناول العادة “السيئة” من الناحية الصحية أو الاجتماعية أو الدينية، فإن ثمة معاناة خفية يعيشها المدخنون من أبناء المدن المحاصرة (مدنيين وعسكريين) بسبب حرمانهم من هذا المنتج من بين ما حرموا منه من مواد تموينية وغذائية جراء الحصار المطبق الذي تجاوز في بعض المناطق السنة.

داريا هي إحدى تلك المناطق التي بقي المدخنون فيها يواجهون مشكلتهم في الحرمان من المادة التي تعدل مزاجهم وتريح أعصابهم أوقات الضغط، كما يقولون، دون اكتراث حقيقي أو اهتمام بمدى حاجتهم إليها، خصوصًا وأن استهلاكها زاد بشكل ملحوظ مع بدء الثورة وما رافقها من توتر عصبي يزداد بشكل مطرد مع تقدم الحرب التي غرقت فيها البلاد، وما يرافقها من ضغوط يومية وخسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات.

أسعار باهضة

الحاجة إلى الدخان أجبرت المدخنين في المدينة، لا سيما المقاتلين منهم، على دفع مبالغ عالية جدًا لقاء بضعة سجائر قد لا تكفي المدخن لأكثر من أيام معدودة، حيث وصل سعر علبة الدخان الواحدة من نوع «الحمراء» أوإليجانس» إلى 7700 ليرة، كما يقول أبو دجانة، المسؤول السابق عن فرن المدينة، موضحًا أن السعر تدرج إلى هذا المستوى عبر عدة مراحل مرت فيها المدينة خلال الحملة الحالية، إذ ارتفع في بدايتها إلى 80 ليرة ثم إلى 300 ثم فُقد لفترة من الزمن ليتوفر بعدها بأسعار عالية جدًا، وهو ما دفع به لتخفيض استهلاكه للدخان من علبة ونصف يوميًا قبل الحصار إلى 5 سجائر فقط، يحصل عليها عن طريق الهدايا أو يشتريها بشكل مفرق بـ 500 ليرة للسيجارة الواحدة. علمًا أن سعر العلبة خارج المدينة لا يتجاوز 150 ليرة.

أبو شفيق، وهو أحد بائعي الدخان في مدينة داريا، يقول إنه يحصل على الدخان من مدينة المعضمية المجاورة بسعر يصل لـ 60 ألف ليرة للكروز ليقوم ببيعه بالمفرق بسعر 7 آلاف للعلبة الواحدة محققًا ربحًا مقداره 10 آلاف ليرة بالكروز، أي ما يعادل ثمن علبة واحدة، معتبرًا أنه بهذه التجارة يؤدي خدمة للمدخنين في المدينة. أبو شفيق ينبذ سلوك البعض بمقايضة الدخان على المواد التموينية ويعتقد أن المخفر يجب أن يحاسب من يقوم بذلك.

كيف يدخل الدخان إلى داريا

يقول أبو شفيق إن الدخان يتم إدخاله إلى المعضمية عن طريق الاتفاق مع بعض الموردين على إلقاء طرود الدخان على شارع الأربعين المحاذي للمدينة، ليقوم التجار بدورهم بسحبها وبيعها أو مقايضتها داخل المدينتين المحاصرتين (داريا والمعضمية). كما يقوم بعض الأشخاص في داريا بتأمينه عبر طرق سرية لا يفصحون عنها عادة، بينما يبيع آخرون من كميات مخزنة لديهم منذ ما قبل الحصار.

لكن اللافت في هذه التجارة، أن قسمًا من الدخان يأتي بشكل مباشر من جبهات القتال عبر الحي الشرقي لمعضمية الشام، المؤيد للنظام والخاضع لسيطرته بشكل كامل، وهو ما أكده معظم من قابلناهم. حيث يتم إلقاء النقود من خلف السواتر أو المنازل المحاذية لخطوط القتال، مقابل إلقاء طرود الدخان إلى الجانب الآخر، وذلك بعد تنسيق بين الطرفين عبر الاتصال المباشر بالهواتف الخلوية وسط ظروف لم يتسن لنا الاطلاع عليها.

الدخان مقابل الطعام والوقود والخدمات

معدمو الحال ممن لا يملكون المال الكافي لشراء الدخان لجؤوا إلى مقايضته على ما تحتويه منازلهم من أرز وبرغل ومحروقات، كما قال أبو صالح، العامل في مكتب الخدمات، إذ تتم مقايضة كل 15 كيلو أرز أو جرة غاز بعلبة دخان واحدة، وقد ذكر أن شخصًا استبدل بيدون مازوت بكمية من المعسل. ويضطر مدخنون آخرون إلى تقديم بعض الخدمات مقابل بعض السجائر يمنحهم إياها صاحب العمل، الذي يقوم بتشغيلهم، من باب التحفيز على أداء العمل بشكل جيد. بينما يؤمن بعض المقاتلين عدة سجائر يوميًا عن طريق قادة مجموعاتهم في الجيش الحر، كما يقول محمد، المقاتل على إحدى جبهات المدينة.

بدائل بدائية ومخاطر صحية

يقول أبو دجانة، إن بعض المدخنين ابتكروا بدائل غير مدروسة للتبغ، فاستخدموا الشاي والنعناع وأصبحوا يلفونه كالسجائر، بينما حاول بعضهم الآخر طبخ المعسل باستخدام بعض المواد المتوفرة، لكن أحدًا لم يستطع تدخينه نظرًا للمشاكل الصحية التي يسببها.

وقد أكد الدكتور حسام رئيس المشفى الميداني في المدينة أن المشفى استقبل العديد من حالات الإصابة بالتهابات المجاري التنفسية والقصبات بسبب تعاطي المدخنين للبدائل، واستهجن الدكتور قيام بعض المدخنين بهذا العمل في الوقت الذي يعاني فيه المشفى الميداني من نقص الأدوية لمعالجة المصابين بهذه الحالات.

من يتحمل المسؤولية

يلقي العديد ممن التقيناهم بمسؤولية تفاقم هذه الظاهرة على المجلس المحلي للمدينة، وهي مسؤولية مزدوجة تتمثل في تأمين الدخان للمقاتلين والمدنيين من جهة، وفي محاسبة من يستغل حاجة المدخنين بالمتاجرة والمقايضة والابتزاز من جهة أخرى. ويرى أبو صالح أن على المجلس تأمين الدخان للمقاتلين كما يؤمن لهم الطعام الشراب، ومحاسبة المتاجرين بهذه المادة.

وتأتي مسؤولية المجلس المحلي إزاء هذه الظاهرة من كونه صاحب النفوذ الأكبر على أرض داريا، وأن مسؤولية معاقبة المسيئين وتأمين ما يحتاجه المقاتلون المدخنون تقع على عاتقه، لسد الطرق أمام رواج هذه التجارة وما يتبعها من استغلال وابتزاز للمدخنين، كما يقول أبو وحيد، وهو أحد العاملين في رحبة الخدمات في المدينة.

لكن أبو عمار، مدير المكتب الإغاثي في المدينة، اعتبر أن الأولوية في عملهم هي لتامين المواد الغذائية الأساسية، وقال إن المكتب لن يمانع في إدخال الدخان طالما توفر ذلك.

من جهته قال الأستاذ علاء رئيس المخفر التابع للمجلس المحلي للمدينة إن الذين يقومون بهذه التجارة هم «ضعاف النفوس من الجيش الحر ومن المدنيين» والذي دفعهم إليها الحصار الخانق المفروض على المدينة منذ سنة كاملة، وأكد أن المخفر يقوم بمحاسبة كل من يثبت «تورطه بهذه التجارة المذمومة»، لكن الوضع الإنساني السيّئ للكثير من المدخنين الذين يقايضون الدخان على الطعام يحول دون قدرة المخفر على معاقبتهم، فيتم إطلاق سراحهم، وأحيانًا يتم تقديم جزء من طعام المخفر للفقراء منهم.

ويقول علاء إن الدخان تم إدخاله إلى المدينة في مراحل سابقة عن طريق تهريبه من طرق مختلفة، أو من الحي الشرقي في المعضمية، ليقوم بعض عناصر الجيش الحر أو المدنيين ببيعه للمدخنين بأسعار باهظة، أو مبادلته على الأرز والبرغل أو الطحين كما حصل في الأشهر الأخيرة، «حتى أصبح ظاهرة عامة» في المدينتين.

رئيس المخفر يحمل مسؤولية رواج هذه الظاهرة للجميع في المدينة، ويعتبر أن وجود أكثر من فريق يعمل على الأرض لا يتبعون إداريًا للمجلس المحلي أو للواء شهداء الإسلام، يجعل إمكانية محاسبتهم صعبة، وهو يقوم لأجل ذلك بالتواصل مع المسؤولين في الكتائب الغير خاضعة لسيطرته لمحاسبة المخطئين واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم. لكن بعض الناشطين في المدينة يتهمون المخفر بالتواطؤ مع المذنبين والرضوخ للمحسوبيات لضغوط قادة بعض الكتائب المقاتلة، فتاجر الدخان أبو شفيق اعتقل قبل أسبوع بتهمة إدخاله للدخان من الحي الشرقي في مدينة المعضمية، ليفرج عنه في اليوم التالي، كما قامت بعض كتائب لواء شهداء الإسلام ولواء سعد بن أبي وقاص بتشكيل دورية ومداهمة واعتقال عدد من تجار الدخان الذين يقومون ببيعه بأسعار عالية ويقايضونه على الطعام، ليتم تهريبهم في اليوم التالي وسط ظروف غامضة، وليعودوا بعد أيام لممارسة تجارتهم من جديد.

صحيح أن انقطاعه عن المدينة المحاصرة، وارتفاع أسعاره بشكل كبير أجبر الكثير من المدخنين على ترك الدخان، أو تخفيف معدل استهلاكهم منه، لكنه من جهة أخرى دفع ببعض «ضعاف النفوس» إلى محاولة الحصول عليه بطرق غير قويمة، وصلت في بعض الحالات حد سرقة المال والمواد التموينية من أجل تأمين سعر علبة دخان أو بضعة سجائر، أو مقايضتها، ليزيد ضعف حسهم بالمسؤولية في ظل الحصار، الذي يلقي بثقله على عاتق القائمين على العمل الثوري داخل المدينة، والذين توكل إليهم مهام تأمين متطلبات المحاصرين وإيجاد حلول لمشاكلهم، في اختبار حقيقي لأهليتهم في أن يكونوا سلطة بديلة جديرة بإدارة أمور المدينة في مرحلة بعد النظام.

تابعنا على تويتر


Top