نقل ودفن الموتى.. معاناة أخرى لنازحي داريا

bp21.jpg

عنب بلدي – العدد 95 – الأحد 15/12/2013

SYRIA-CRISIS/بيلسان عمر – عنب بلدي

اعتاد أهالي داريا عند حالات الوفاة أن يُنادى على المتوفى في المساجد، ويغسّل ويكفّن في بيته، ويشيّع إلى المسجد بوجود حشد كبير من المشيعين، يحملون النعش، مع تكبيرات طوال الطريق، ودعاء للميت، والطلب من الناس أن يسامحوه، حتى وصولهم إلى المسجد، ليصلّى عليه صلاة الجنازة، ويخرجون به إلى المقبرة –التربة كما اعتادوا على تسميتها- ليدفن هناك، في قبر مخصص للعائلة مسبقًا، أو يتم حفر قبر جديد للميت –مجانًا- لم يدفن فيه أحد قبله، ويحفر القبر بطريقة متقنة، ويتم تنزيل الميت والدعاء له، ثم يوارى التراب على قبره، وتوضع الشاهدة عليه، مكتوب عليها اسم الميت وتاريخ وفاته، ويستمر أهله بزيارة القبر وسقايته وزراعته بالورود.

أما الآن، وبعد نزوح أهالي داريا واشتداد التضييق عليهم في أماكن نزوحهم، وأثناء تنقلهم، باتت عملية نقل ودفن الميت مأساة بحد ذاتها، إذ تقول أسماء (في العشرينيات من عمرها)، «أسكن وزوجي في غرفة ناطور بمزرعة أحدهم –على طريق داريا الشرقية، الدحاديل- وذات يوم أودت قذيفة هاون بحياة ولديّ صغيرهما عمره ثلاث سنوات، ويكبره أخوه بسنة، ولم نتمكن يومها بسبب الانتشار الأمني الكثيف من نقل الجثتين إلى المقبرة، وتم دفنهما في حديقة المزرعة، أجلس كل يوم ووالدهما جوار القبر، نروي لهما قصصًا وحكايا كما كل أطفال الحي، لتتكرر هذه القصة مرات ومرات مع آخرين يدفنون موتاهم بنفس مكان نزوحهم.

أما محمود الداراني، النازح إلى قبو أحد المعامل في المقليبة، فيروي قصته بحرقة قائلًا «انا قتلت ولدي» إذ أصيب ابنه بحالة تجفاف، ولم يتمكن محمود من نقله إلى أقرب مشفى (مشفى الأماني في منطقة الكسوة، بكونها خاصة، ولا يملك أجرة المشفى)، ولا إلى مشفى الأطفال في دمشق لأنه مطلوب أمنيًا واسمه معمم على الحواجز، وعندما عجز المركز الصحي في منطقة الطيبة عن تقدمة العلاج اللازم للطفل بسبب النقص الكبير في المعدات والكوادر الطبية، قرر الأب أن يغامر بحياته لينقذ ولده، فمات الطفل على الطريق قبل خروجهم من منطقة نزوحهم، وما يزال محمود حتى الآن يشعر بذنب موت ابنه.

وحال نازحي داريا إلى العاصمة دمشق ليس بأفضل حالًا، إذ يعانون الأمرّين عند نقل موتاهم ودفنهم، بل وتأمين قبر لهم، فالسيدة أم خليل البالغة من العمر ثمانين عامًا، نزحت وعائلتها إلى مستوصف كفرسوسة، وعند تعرضها لأزمة قلبية نقلت إلى مشفى المواساة، ووافتها المنية هناك، وأجرى لها أبناؤها أوراقًا ثبوتية لدفنها، وعند نقلها إلى المقبرة، لم يجدوا مقبرة تستقبل جثمانها، دونما دفع مبلغ خيالي ثمن القبر، لا يقل عن مئتي ألف ليرة سورية، كما يقول ابنها خليل، الذي يقود السيارة بجثمان أمه باكيًا «ياجماعة ماتت.. وين بدي أدفنها.. ما في مقبرة عم تستقبلنا.. ما معي حق قبر.. لو بعت واحد من أولادي ما بجيب لي حق القبر» ليقترح عليه أحدهم أن يدفنوها في مقبرة الشهداء بمنطقة اللوّان (التابعة لكفرسوسة)، وهنا يجب عليه أن يجتاز ما لا يقل عن أربعة حواجز، وعند كل حاجز يبرز أوراق المشفى، وحيثيات الوفاة، ليصل بالنهاية إلى مفرزة الأمن عند مسبح الشرق في المنطقة المذكورة، وهنا يتم الكشف على الجثمان، للتأكد أن حالة الوفاة طبيعية، وحال وصوله استقبله أحد عناصر المفرزة «جايب جثة كر من الجيش الحر تقبره هون»، ويتابع خليل «بعد مية يمين للعسكري، وبعد ما شاف أوراق المشفى أصر أن يكشف على الجثة، وعندما وجدها امرأة كبيرة لم يسكت بل صرخ مستهزئًا «كانت الحجة متطبخ للجيش الحر.. وقتلوها هالإرهابين يلعن أبوهم..ووووو»، واحتفظ عنصر الأمن بالهويات الشخصية لمن حضر لدفنها، ريثما يعودوا من مهمتهم.

وهكذا أصبح القبر حلمًا، والوصول إليه مغامرة تكاد تذهب بقلب فاعلها بل وبه أيضًا، فقد تكررت حالات اعتقال من ينقل جثمانًا، وتعرض كثر إلى إصابات جراء إطلاق النار عليهم أثناء عملية الحفر والدفن.

تابعنا على تويتر


Top