عواقب اختطاف الناشطين السوريين في المناطق المحررة

معتز مراد

تعرفت على رزان زيتونة عقب خروجنا من السجن نهاية عام 2005م، حيث صاحبت بعض الأصدقاء المفرج عنهم لزيارتها في مكتبها في دمشق فوق مقر فرع الهجرة والجوازات، لنشكرها على جهدها في الدفاع عن قضيتنا، ولحرصها الشديد في متابعة أهلنا وتشجيعهم على المطالبة بنا والتواصل مع جمعيات حقوق الإنسان لشرح الحالة بشكل كامل.

وعندما بدأت ملامح الربيع العربي، بدأنا نكثّف تواصلنا مع بعضنا، وكان وائل حمادة زوج رزان من أوائل الناشطين الذين نسقنا معهم لمظاهرات وأعمال ثورية في دوما وداريا. والشيء اللافت أن من يزور منزل وائل المتنقل تبعًا للظروف الأمينة، يرى أن كمبيوتر رزان عبارة عن محطة إعلامية، وكأنها شبكة أخبار ثورية تمتد على كامل التراب السوري. ولشدة إيمان رزان بقضيتها وقوة شخصيتها، كنت أعترف أحيانًا خلال أيام سجني في الثورة أنني أرسل الفيديوهات والمعلومات لها، حيث كنت واثقًا أنها ستتقبل ذلك وستعتبره جزءًا من عواقب الثورة نفسها. ولكونها تجاهر بعملها أمام المؤسسات الأمنية وفروع المخابرات. فرزان منذ أكثر من عشر سنيين تمارس مهنة المحاماة والدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا، وتسلط الضوء على قضايا المعتقلين وجرائم النظام، إلى أن أسست مع ناشطين آخرين ما يسمى لجان التنسيق المحلية، والتي كان لها نشاط كبير ودور بارز في توصيل أخبار الثورة إلى العالم وبموثوقية عالية.

وبعد أن تعسكرت الثورة وأصبح النشاط المسلح هو الغالب في مدنها، حاولت رزان كثيرًا ألا تضع أخطاء الثوار في نفس ميزان أخطاء النظام، وأن تعالجها كنتيجة حتمية لتدمير النظام للإنسان السوري وقمعه بكل وحشية. فلطالما كانت نصيحتها أننا يجب أن نعالج أخطاء ثورتنا فيما بيننا وألا نتسرع في تصديرها إلى وسائل الإعلام، لأن المجتمع الدولي سيُسارع في تلقف تلك الأخبار ويدينها بنفس درجة إدانته للنظام.

تعلمنا من رزان أن نكون منفتحين على جميع مكونات الثورة، فقد كانت سبّاقة في التواصل مع كتائب الجيش الحر وتقديم النصيحة لهم، ومحاولة بناء جيش يكون بديلًا مقنعًا لجيش النظام التابع للأسد داخليًا وخارجيًا، وقادرًا على حماية سوريا أرضًا وشعبًا.

حصلت رزان على عدة جوائز دولية بسبب نشاطها الكبير في الداخل ورفضها مغادرة سوريا، فقد كانت مقتنعة تمامًا أن جهدنا يجب أن يكون مع الناس، حيث يمكننا أن نصل في النهاية إلى سوريا التي نحلم بها وإن كان ذلك نحتًا في الصخر. وعندما استقرت في الغوطة الشرقية وتحديدًا في مدينة دوما، أسست مع زوجها ورفاقها جمعّية لدعم المشاريع التنموية والطاقة البديلة في محاولة لمواجهة الحصار ودعم مشاريع زراعية تمكن الناس من الصمود لأكبر فترة ممكنة.

لا يمكن لأحد أن يكون قد دافع عن الثورة ونشطائها السياسيين والعسكريين كما فعلت رزان زيتونة، نتيجة علاقاتها الواسعة داخل سوريا وخارجها، فهي أقدر من يدافع وأكثر من يؤخذ بكلامه. وبسبب ذلك كله فإن اختطافها مع زوجها وائل والشاعر ناظم حمادي وسميرة الخليل، وقبلهم في حلب الإعلامي عبد الوهاب الملّا والممرضة سميرة كيالي وغيرهم كثير، سوف يشكل رسالة واضحة ولكنها خاطئة جدًا وليست في مصلحة الثورة السورية أبدًا، وهي أن الجيش الحر الذي طالما اعتبرناه البديل الشرعي لجيش النظام، وتمنّينا أن يكون جيشًا لسوريا المستقبل، لم يستطع حماية أهم ناشطينا، في مناطق يسيطر عليها هو منذ أكثر من عام ونصف. رسالة قد يكون صلبها أنه لا مكان للتنوع والاختلاف في سوريا، أرض العشرة آلاف سنة من الحضارة والتاريخ القديم. أضف إلى ذلك حالة عدم الأمن التي ستسيطر على جموع الناس في الداخل المحرر. والأكيد أن أكثر المهللين لاختطاف رزان والأصدقاء هو النظام السوري، فقد تخلص من أهم الأصوات الموثوقة دوليًا والتي كانت تؤرّقه على الدوام.

تابعنا على تويتر


Top