حوار خاص مع الشيخ أسامة الرفاعي.. رئيس رابطة علماء الشام

1522118_235773576598350_1021365663_n.jpg

• هذا الشعب ينبغي أن يترك ليحكم نفسه بما شاء

• أمراء داعش يمارسون أعمالًا مبنية على جهل مطبق في الشريعة الإسلامية

• كل علماني يعرف العلمانية بالشكل الذي يحلو له

عنب بلدي – اسطنبول

منذ ثلاث سنوات، أعيد إحياء رابطة علماء الشام التي تشكلّت للمرة الأولى عام 1937، لكنها بقيت سرية تجمع عددًا من علماء دمشق وغيرها، إلى أن خرج هؤلاء العلماء من دمشق إلى اسطنبول أثناء الثورة السورية، فأشهروا الرابطة وتوسع نطاق عملها، إلى جمع الهيئات الشرعية في سوريا تحت مظلة واحدة وضبطها، وإرسال الدعاة لتوجيه المقاتلين وتثقيفهم، إضافة لإغاثة الأسر الفقيرة التي سكنت اسطنبول.

جريدة عنب بلدي التقت بالشيخ أسامة الرفاعي رئيس رابطة علماء الشام، وأجرت معه حوارًا حول موقف الرابطة من عمل الهيئات الشرعية، وفوضى الفتاوى التي تصدر عن مختلف الفصائل المتواجدة في سوريا اليوم.

  • نرى فوضى في الفتاوى والسلوك الشرعي عند بعض الهيئات الشرعية، تبعًا لأجندات كل منها، وأصبحنا نرى دساتير إسلامية لا نعلم مرجعيتها، وسط غياب واضح لعلماء الشام، ما موقفكم من هذه الفتاوى وكيف تقرأونها.

نحن صلاتنا محدّدة بالهيئات الشرعية الكبرى التي عليها المعول والتي يثق بها الناس في المحافظات كلها، وإلا فإن النظر إلى الساحة كلها،  تجد أضعاف هؤلاء لا ضابط لهم ونحن لا نستطيع أن نتصل بالجميع، فنحن لدينا طاقة محددة نستطيع أن نعمل من خلالها.

أتصور أن هذه كارثة، هناك هيئات شرعية قائمة على أناس علمهم ضئيل جدًا، لا يؤهلهم للفتوى فضلًا عن أن يؤهلهم للقضاء، ومعنى ممارسة القضاء أن من ورائه تنفيذ، وهذا في الشريعة الإسلامية من أضخم ما يمكن أن يقدم عليه مؤمن ويحاسب عليه عند الله سبحانه وتعالى.

هذا موجود ولا يستطيع أن يحيط به أحد مالم تقم للفصائل الكبرى كتائب مخصصة لحماية الهيئات القضائية الموثوقة، تقوم بخدمة الهيئات القضائية وتنفيذ أوامرها، حينئذ نستطيع أن نضبط الأمور.

  • نشاهد اليوم قطع رؤوس، وحدود تقام على تدخين سيجارة مثلًا، هل حصل تدخل من الرابطة أو تواصل مع القوى التي تفرض الدين بطريقة مختلفة عن طبيعة الشعب السوري وطريقة تدينه، للوصول إلى تنسيق ووضع حلول لهذه التجاوزات.

لا، الحقيقة نحن سألنا كثيرًا… “داعش” إما عليك أن تتصل بأشخاص من غوغاء الناس ومن جهلتهم وهؤلاء لا يمكن التفاهم معهم؛ ولو أنك تفاهمت مع أحدهم، فهذا التفاهم ليس له قيمة. أو أنك تتصل بـ الكبار (يعني أمراؤهم)، وأمراؤهم –يقولون- مثل الكبريت الأحمر لا أحد يراهم ولا يرون أحدًا، ولا يمكن الوصول إليهم، هم وضعوا بينهم وبين الناس حاجزًا من حديد لا يمكن اختراقه، هذا الذي فهمناه من الأخوة الموجودين في الداخل. لأنهم يعلمون أنهم يمارسون عمليات كبيرة جدًا، مبنية على جهل مطبق في الشريعة الإسلامية وهم مؤاخذون على هذا.

  • ربما لو حاولتم الاتصال بهم كنتم أقمتم الحجة عليهم إذا رفضوا

هناك محاولات كثيرة جدًا، ممكن الاتصال برعاعهم وهذا مضر، أن تجري اتفاق مع إنسان غير مسؤول، قد يحملك من الأعباء ما لا ينبغي أن تحمله.

  • كيف تتعاملون مع هذه الفتاوى، هل تعيدون تفنيدها، وتصححون الخاطئ منها، أو تثبتون صحيحها.

نحن على تواصل مع الهيئات الشرعية الكبرى وهناك مشاريع بيننا وبينها من الناحية العلمية والفتوى، ولكن من يستطيع أن يحيط بكل ما يسمى هيئات شرعية في سوريا؟ … تكاد تجد كل قرية صغيرة سكانها  4000 – 5000 مواطن ، يشكلون هيئة شرعية، فالإحاطة بهذه الفتاوى أمر يكاد يكون مستحيلًا، إلا أنه قريبًا سيشكل “اتحاد جهات الفتوى” وهدفه الربط بين الهيئات الموثوقة التي نعلم أن القائمين عليها موثوقون في دينهم وفي تقواهم. وهذا الاتحاد لن يصدر فتوى من الفتاوى إلا بالتشاور مع الرابطة، وكل فتوى تصدر عن هذا الاتحاد، تعتبر صادرة عن الرابطة، لأن الرابطة إما أن تكون مشاركة في صياغة الفتوى أو موافقة عليها.

  • الرابطة مسؤولة بشكل أو بآخر عن صورة الإسلام الذي يقدم اليوم في سوريا، حتى لو لم تستطيعوا ضبط كل المخالفات، لكن يترتب عليكم مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع الذي يحمل إرث علماء الشام.

الناس يجب أن تعرف أن هناك فرقًا كبيرًا بين الفتوى وبين القضاء، وهذا مدوّن في كتب أصول الفقه، الفتوى يسأل فيها العالم عن مسألة شرعية فيفتي، وليست لديه مسؤولية التنفيذ، لأنه لا يملك أدوات التنفيذ. بينما القاضي فهناك فرق جوهري وهو أن  لديه قدرة تنفيذية، لديه قوة يستطيع بها تنفيذ الأحكام التي تصدر عنه، نحن ليس بين أيدينا إلا المقدرة على الفتوى.

لو تقوم من جهة الفصائل الكبرى كتائب مخصصة، لضبط الأقضية التي تصدر عن الهيئات القضائية المعتمدة وتحمي لها أحكامها تنفذها على الناس شاؤوا أم أبوا، هذا يسهل إيجاد الصيغة بيننا وبينهم، وإقامة أحكام الشرع على ما يرضي الله، أما في ظل هذه الفوضى العائمة العارمة في سوريا من أولها إلى آخرها، نقول إن فلانًا مسؤول أو غير مسؤول أو الرابطة أو غيرها. الرابطة ليس عندها سلاح إلا هذا اللسان الذي تتكلم به، ووسائل الإعلام التي تستطيع الوصول إليها وهذا أكثر من ما نستطيع القيام به. وقد أصدرنا عدة بيانات من مكتب التنسيق، وهو مكتب يجمع روابط علماء سوريا، وهي 11 رابطة، ومن جملة مهامه أن يصدر البيانات ويعممها على الروابط كلها للتوقيع عليها.

  • شيخنا هذا سؤال كبير “شو بيطلع بإيدنا”، نحن نعلم ماذا بمقدور المشايخ أن يفعلوا، ففي أيام السلم كان بعض المشايخ في أقصى الشمال يأتمرون بفتاوى يصدرها مشايخ دمشق، فهم عمليًا لديهم قدرة وسلطة روحية ودينية كبيرة جدًا على الناس، وهذا قد يعيدنا إلى التساؤل القديم حول عدم قدرة علماء الشام على فعل شيء في بداية الثورة، وهو ما أدى إلى انفلات الوضع بهذا الشكل.

لا يوجد عالم ولا غير عالم، أيًا كان، يستطيع الادعاء أنه هو من أشعل الثورة أو قادها، إنما هي أمر بقضاء الله وقدره، وكل إنسان قام بالذي يستطيعه ويقنع به، والعلماء ما أظنهم قصروا في تلك الفترة أبدًا، حتى أنك تعلم أن فيهم من عرض نفسه للموت أكثر من مرة، وهذا يفعله الإنسان ابتغاء وجه الله تعالى ولا يتكلم فيه. ولكن حينما تصف هذه الحال كما تفضلت أنه هناك سلطة روحية للعلماء على الناس، فهذا في حال السلم، في حال السلم عندما تكون البلد هادئة، عندها يستطيع عالم موثوق  في أقصى شمال سوريا أن يؤثر على الجمهور في أقصى جنوبها. ولكن الآن هناك عدد كبير من مجموعات الشباب الصغيرة، قد تكون من حيث المبدأ قد دفعها الدين وحب الدين إلى حمل السلاح، وبعدما حملت السلاح صار لديها غرور، وإذا أصيب الإنسان بالعجب والغرور هذا، أنا أعتبره أشد من السرطان، فهو لا يرى في هذه الدنيا أحدًا أكبر منه، وهذا واقع لا ينبغي أن ننكره.

العالم لا يستطيع أن يؤثر بأمثال هؤلاء بسهولة، بقضية بيان يصدره، إما أن يجتمع بكل واحد على حدة ويجلس إليه جلسات طويلة حتى يغيرله ما في دماغه أو يهذّب له شخصيته، وإما لا سمح الله ولا قدر يحصل صدام بين الأخوة الصادقين المخلصين المستقيمين، مع هؤلاء الذين أصابهم العجب والغرور وصاروا يتصرفون تصرفات لا يرضى فيها شرع ولا دين ولا غيره، فالآن الوضع لا يقاس بالوضع أيام السلم، الفرق كبير جدًا.

  • من أكثر القضايا المطروحة اليوم على الساحة السياسية والدينية هو موضوع الخلافة، كل فصيل يدعي أنه جاء ليقيم الخلافة وليعيد الحكم الإسلامي، يكاد يكون غير واضح ما معنى الخلافة، وما معنى تطبيقها في هذا الزمن، وهل هو واجب.

أولًا يجب أن يعلم الجميع، أننا لا نخفي أنفسنا، فنحن نبكي على الخلافة في الليل والنهار، ونتمنى أن تقوم دولة الخلافة اليوم قبل الغد، ولكن ما كلفنا الله بهذا الأمر لنرهق أنفسنا ونرهق شعوبنا ونعرضها للبلاء من هنا وهناك.

كلمة الخلافة… دولة الخلافة، ليس أمرًا قد تعبدنا به، وليس أمرًا كلفنا الله به في شرعه، وأول من ترك هذا المصطلح ولجأ الى مصطلح آخر سيدنا عمر بن الخطاب الذي ترك “يا خليفة رسول الله” وأعرض عنها واستبدل بها قوله “يا أمير المؤمنين”.

فنحن لا يجب أن نكون قساة بهذا الشكل في تطبيق حرفيات لا وزن لها في الدين، حتى لو كانت كلمة “دولة الإسلام” تحملنا هذه الأعباء الكبيرة فهي ليست ضرورية… لأننا نريد المضمون.

هذا الشعب ينبغي أن يترك ليحكم نفسه بما شاء، والحمد لله شعبنا مسلم مؤمن، ولقد رأينا أن شعوب المنطقة حين تركت لنفسها لم يكن لها الاختيار إلا الإسلام، فنحن طمعنا أن يترك هذا الشعب لنفسه حتى يحكم نفسه بما أنزل الله وهذا غاية المنى.

حين تكون الأكثرية كلها تدين بدين واحد، وتتجه اتجاهًا واحدًا راغبة في تطبيق هذا الدين على أنفسها، ينبغي أن تساير وينبغي أن يسير الجميع في ركابها، وخاصة أن هذا الدين الذي تطالب به لا يظلم أحدًا، لا من أقليات عرقية ولا من أقليات دينية ولا غير ذلك أبدًا.

إذن لتكن غايتنا أن نُحكم بما أنزل الله ولا نقف عند التسميات ولا نقف عند اللافتات ولا نقف عند التهويلات التي نسمعها، يكفي أن يحكم الشعب نفسه ونحن نعرف شعبنا أنه يريد أن يحكم بما أنزل الله.

  • ما هي آليات تطبيق حكم الشعب لنفسه، وأن يختار دينه وطريقة حكمه، فهذه هي نقطة الضعف التي تدخل من خلالها هذه الأجندات لتطبيق الدين بأشكال مختلفة.

الأجندات التي تدخل هي أجندات سياسية وليست أجندات دينية، يعني يأخذون الدين ويتسترون به، ويطرحون المواضيع التي تتعلق بهذه الأجندات باسم الدين، دعك من هذا كله. نحن في الرابطة وكل علماء الدين لسنا سياسيين، القالب السياسي في هذا الكلام الذي ذكرته مسؤول عنه السياسيون (السياسيون الإسلاميون) أنا لا أقصد كل السياسيين. السياسيون الاسلاميون ينبغي أن يصيغوا رؤية واضحة للسياسة الإسلامية التي ينبغي أن تكون في بلادنا، على ضوء رغبة الشعب في تطبيق ما أنزل الله سبحانه وتعالى.

أنا قضيت حياتي كلها في العلوم الشرعية والعلوم اللغوية، لا أُطالب بصياغة رؤية سياسية، وإلا فإنك تطالبني أن أغش الناس… هناك أناس متخصصون، السياسيون الإسلاميون عليهم هذه المهمة، صياغة رؤية إسلامية سياسية واضحة نابعة من هذا المعنى، وهو الرغبة الجامحة في تطبيق ما أنزل الله.

الفقه الإسلامي لا يعدو كونه قانونًا… الآن تقرأ كتاب فقه عشر مجلدات هل تجد فيه كلمة تقوى؟ ما علاقة التقوى بالفقه، الفقه عبارة عن قانون، نحن نريد هذا القانون، وبالطبع كل شعب يختار القانون الذي يريده، ولا يمكن أن يفرض عليه فرضًا. شعبنا يختار هذا القانون الذي اسمه الفقه الاسلامي…

هناك صياغات سياسية يجب أن تكون نعم … صياغات قانونية للفقه الإسلامي نعم هذا كله صحيح، ويطالب به المختصون… ولكن المضمون الذي يجب أن نركز عليه جميعًا أن رغبة الشعب أن يحكم بما أنزل الله.

  • بالنسبة لنفس موضوع الخلافة، أنتم كرابطة هل أصدرتم بيانات بخصوص موقفكم؟

لا، ولكن نحن عندنا مشروع “المجلس الإسلامي الأعلى” وسوف يبصر النور قريبًا إن شاء الله، ويضم روابط وعلماء سوريا كلها تقريبًا، (ممثلين عن علماء سوريا كلها). من جملة الأمور التي يريد بحثها، موضوع هذه المصطلحات كلها (الخلافة، والدولة الاسلامية، والديمقراطية، والدولة المدنية…).

  • تقر شيخنا أثناء حديثك بحق السوريين في اختيار طريقة حكمهم، أو دعنا نقول أن يختاروا نمط الدولة التي يودون العيش فيها، يعني هذا يتقاطع مع دعوات العلمانيين اليوم بفصل الدين عن الدولة بشكل أو بآخر. نحن نود أن نستوضح منك موقفكم من دعوات العلمانيين إلى تحويل سوريا إلى نظام علماني، اليوم هناك صراعات كثيرة على هذه المصطلحات وهي اليوم بين السوريين مصدر أساسي لخلافاتهم… وبما أنه حتى الآن لم يصدر شيء من رابطتكم بهذا الخصوص، فما هو موقفك من هذه الدعوات وكيف ترى شكل الدولة القادم، ونمط الحكم الذي يناسب السوريين؟

 يبدو أن لا شيء واضح بأذهان الناس، أو على الأقل لا يوجد مواقف واضحة  من علماء المسلمين، يوضحون بها موقفهم من العلمانيين أو دعوات فصل الدين عن الدولة، أو شكل الدولة القادم.

حقيقة، العلمانيون وضعونا في حيرة من أمرنا، كل علماني يعرّف العلمانية بالشكل الذي يحلو له، فنحن لا نستطيع أن نتعامل مع جهات كثيرة متعددة ترفع راية واحدة، وتفسر هذه الراية بألوان مختلفة، هذا صعب. هناك علماني يقول بفصل الدين عن الدولة، وآخر يقول فصل الدين عن المجتمع (فصل الدين عن المجتمع كله من أوله لآخره)، وآخر يستشهد في تعريفة للعلمانية بقول أردوغان خلال زيارة لمصر حين سئل في محطة فضائية عن العلمانية أن العلمانية بتعريف حزبه، أن تكون الدولة على مسافة واحدة من الجميع، على مسافة واحدة من المسلم المتدين الملتزم، ومع الملحد الذي هو ضد الدين، الدولة ليس لها علاقة، الدولة تعامل هذا كما تعامل ذاك.. لأن الدولة مكلفة بتقديم خدمات بكل الأشكال… أن تقدمها للمواطنين، فلا فرق بين مواطن ومواطن، المواطن المسلم مثل النصراني مثل اليهودي مثل الملحد كلهم متثل بعضهم البعض.

إذن أنت لك الخيار في تفسيرك للعلمانية، التعريفات أمامك ولك القرار في الأخذ بأي منها، بالنسبة لتركيا الوضع فيها مستقر، حسب تعريفهم للعلمانية والناس كلها تعرف معنى العلمانية، فحينما يصدر الحاكم تعريف العلمانية نكون قد انتهينا،
أما عندنا فلا يوجد شيء من هذا، العلمانيون متخبطون، وأنا أتمنى أن يوحد العلمانيون كلمتهم حتى يمكن توجيه الخطاب لهم، أما إذا لم يتوحدواعلى وجهة نظر واحدة أو رأي واحد في العلمانية فهذا صعب.

  • إذا أخذنا التعريف الأكثر شيوعًا، (فصل الدين عن الدولة، فصل الدين عن السياسة) يترك الدين يحكم المجتمع ويبعده عن السياسة، لا يحكم الدولة بعصا الدين، وإنما حكم مدني، لحكومات مستقلة تمامًا عن أي أيديولوجيات.

لماذا نسميها عصا الدين، هل يوجد مجتمع من مجتمعات الدنيا كلها من أولها إلى آخرها لا يوجد فيه عصا القانون؟

نحن يا أخي شعبنا يريد القانون الذي يحكمه الفقه الاسلامي، هل تعتبره عصا؟ بالطبع لا يعتبر عصا.

نحن بعرفنا بمعرفتنا بشعبنا لا يعتبرونه عصا، بالعكس يتقربون إلى الله بتطبيق هذا القانون، بخلاف قوانين الدنيا كلها، كل الشعوب يبحثون عن ثغرة للتهرب من تطبيق القانون.

المسلمون حينما يطبقون هذا القانون يطبقونه بصدق، ويجعلون من أنفسهم رقباء على أنفسهم بل يرون أن الله رقيب عليهم في تطبيق هذا القانون… فهذا الشيء الذي سميته عصا، أنا أقول أنه قانون كما تحكم الدول كلها بقوانين، كذلك بلدنا ينبغي أن يحكم بقانون، ولكن هذا القانون هو الفقه الإسلامي، فكيف نفصل الدين عن الدولة بهذا المفهوم؟

  • للتوضيح فقط، أنا قصدت بالعصا، العصا ليست بالمعنى السلبي، العصا هي كقوة وسلطة.

سؤالي الآن أنه إذا اختار الشعب هذا الفقه ليكون قانونًا له، كيف يمكن تفسير هذا مقابل العلمانية التي هي فصل الدين عن الدولة؟

  •  لذلك دعوات السياسيين المعتدلين تؤكد على الدولة المدنية الديمقراطية التي تتيح لشعبها اختيار مرجعيته، وهنا نلتقي عند نفس الطرح الذي تفضلت فيه، وهو أن يترك هذا الشعب لما يختار، لكن الأجندات الدينية اليوم تقطع على الشعب هذه المرحلة، وهنا كان السؤال، هل يعتبر ترك الشعب لاختيار ما يريد هو فصل الدين عن الدولة، أم هي الدولة المدنية المنبوذة عند الإسلاميين، هنا يختلط الأمر… فأنتم حتى الآن لم تصدروا تعاريف واضحة لهذه المصطلحات السياسية، ولم تضعوا خططككم لشكل الدولة القادم، أنتم كيف تنظرون له، وما هو دور الإسلام في المرحلة المقبلة.

قلت لك أن المصطلحات سيصدر فيها شيء، أقصد التعريفات على الأقل لهذه المصطلحات، التعريفات التي نعتمدها أو التي هي قائمة فعلًا، وما أرى أن تعريف العلمانية اليوم سهل يرضى به العلمانيون إذا كانت رابطة علماء الشام، أو المجلس الإسلامي الأعلى قد اعترف بتعريف معين، أن يعترف الآخرون به، لأنهم مزق وأشتات ومن الصعب أن يعترفوا بذلك..

لنكن واضحين وصريحين، لو أن شعبنا اختار لنفسه أن يحكم بهذا القانون، هل يترك وشأنه، ألم نرَ نحن ماذا حصل في الجزائر سابقًا، ورأينا ماذا حلّ بمصر، ورأينا ماذا حلّ بحماس، يعني أننا لا نترك وشأننا.

لذلك أقول هذا الشعب كأنه -في هذا العصر- كتب عليه شيء من التعب، ينبغي أن يواجه مصيره بنفسه، وأن يكون شعبًا مجاهدًا لا على ساحات القتال فقط، وإنما أن يكون مجاهدًا على ساحات العلم والثقافة والمعرفة والسياسة، وكل هذه الساحات يجب أن تشغل من شباب أقوياء يستطيعون إثبات حقيقة الإسلام وإثبات ضرورة تطبيق هذا الدين على شعبنا، وإقناع الآخرين بها… الآخرون لن يتركونا أبدًا، لأنه من الصعب، على أعدائنا الذين خبروا الإسلام وخبروا حقيقة الإسلام على مدى التاريخ أن يتركونا وشأننا. هذا لعله قدر من أقدارنا ينبغي أن نواجهه

حتى لو قلنا الدولة المدنية أنا بحثت بهذا المصطلح جادًا ولم أجد له تعريفًا عند الأوروبيين وعند الأمريكان وعند دوائر المعارف الكبيرة كلها، لم تعد تعرف ما هي الدولة المدنية؟

ولكن ما أفهمه أنا من الدولة المدنية أمرين: الأمر الأول، ألا يكون دولة عسكرية (ما بدنا نحكم بالبسطار)

والأمر الآخر الذي يفهمه الأوروبيون والغرب، أن لا تكون دولة دينية بمعنى، ليس بمعنى الدولة الدينية الذي أفهمه أنا وأنت، نحن الدولة الدينية لها ظلال مشرقة في نفوسنا ومحببة لدينا جميعًا، أما هم فلا وأنا أعذرهم في هذا، لأن الدولة الدينية عندهم، هم مرّوا بأطوار في التاريخ، حكم الكنيسة كان بائس جدًا ومظلم جدًا.

  • أشرت للنموذج التركي منذ قليل (يعجبك النموذج التركي)، هل تجده حلًا مناسبًا للوضع في سوريا، الحكم التركي الحالي هو حكم علماني ولكن باطنه إسلامي، على الأقل فيما يحكم المجتمع.

الحكم التركي الحالي ممتاز، ووصولنا إلى ما أقل من تجربتهم يعني بالنسبة لنا إنجازًا كبيرًا..

أنا قلت لك موضوع العلمانية لا يوجد فيه اتفاق، دعنا أولا نتفق على تعريف العلمانية، عندها أستطيع القول هذا جيد وهذا غير جيد.

  • هكذا يترك الأمر مفتوحًا…

طبعًا يعني لو اجتمع 50-60 شخصًا للتشاور في هذا الموضوع، قد يخرج معهم 10 تعريفات للعلمانية وكل واحد يصر على تعريفه، المفروض أن نجد تعريفًا واضحا للعلمانية…

  • أريد أن أعود للتأكيد على مسؤوليتكم كرابطة علماء الشام، أن تعرّفوا شكل الدولة القادم، بغض النظر عن العلمانية، وإنما أعطوا النموذج المأمول… الذي وضعتموه أمامكم وتطمحون للوصول إليه.. إن كان النموذج التركي أو أي نموذج آخر، لأننا حتى الآن لم نعرف رأي رابطة علماء الشام بشكل الدولة القادم.

من الصعوبة بمكان القول بأننا نستطيع فعل ذلك بمفردنا، ولكن هذا ممكن بالتعاون مع بعض السياسيين الإسلاميين، بالإضافة إلى وجود مستشارين سياسيين للمجلس الإسلامي الأعلى، بالتوافق بين العلماء والمستشارين السياسيين الإسلاميين يستطيعون الوصول إلى مثل هذه النتيجة.
لنكن صريحين الآن، عالم قضى عمره كلّه في دراسة العلوم الشرعية واللغة والكتاب والسنة وتمكّن فيها، تقول لي حدّد رؤية محددة بيّنة واضحة للدولة القادمة؛ أنا أرى  من الخطأ أن يقدم على مثل هذا، وليس اختصاصه (يعني تداخل علوم الدين بعلوم السياسة)، فلا بد من الفريقين أن يجتمعوا مع بعضهم البعض ويقرروا.

  • هذا الموضوع يحتمل الكثير من النقاش وتحميل المسؤوليات دائمًا، عندما تلتقي مع سياسي ينقلك إلى الشيخ ويقول هي مسؤولية أرباب الدين الذين ملكوا قلوب الناس، الشيخ يعيدك إلى السياسي، وهكذا.

عفوا سيدي… إذا كان يملك قلوب الناس فعلًا، لكن هو ليس له حدود يقف عندها، ولا يغش الناس بقوله أنا أعرف كل شيء أعرف بالكيمياء والفيزياء والرياضيات.

  • اليوم هو صراع بين السياسة والدين، فعلماء الدين معنيين بشكل مباشر بالموضوع.

لا يجب أن يكون في صراع بين الدين والسياسة.

  • حاليًا هذا ما يحصل اليوم على الساحة، فحل الإشكالات يجب أن يكون بتفاهم السياسة مع الدين

قلت لك أنه يجب يكون للعلماء، متل المجلس الإسلامي الأعلى وغيره، له مستشارون سياسيون، يجلسون مع بعضهم، أما أن تطالب رابطة علماء الشام أو غيرهم بهذه المهمة، كأنك تقول لهم غشّوا الناس…  هذا ليس من اختصاصهم، لا يطالب العالم بمثل هذا. باستطاعتي أن أقدم لك شكل الدولة، لكن هذا ليس متاح حاليًا، هذا محتمل أن يكون ممكنا قبل 700 سنة، أما الآن في العصر الحديث أنا لا أستطيع أن أقولها من عند نفسي.

  •  لكن أنت ابن هذا المجتمع وتعيش هذا العالم.

لكن أنا لست ابن علم السياسة، أنا لم أتخرج من أكاديمية سياسية. ما أود قوله هو أنني أعرف شكل الدولة القديم، لكن هل هذا هو المطلوب؟ أن أعطيك شكل الدولة التي تصلح للحياة من ألف سنة، بالطبع ليس هذا هو المطلوب؟ المطلوب مني أن أقدم شكل دولة معاصرة، ومعطيات هذه الدولة ليست بحوزتي، وهذا حرام، لن أغش الناس وأقول لهم خذوا شكل الدولة مني وأنا أصلح لها.. هذا خطأ. من المفترض أن نكون منصفين، العلماء الراسخون المتمكنون، والسياسيون المتمكنون الذين يخافون الله، هؤلاء بإمكانهم أن يعطوا شكلًا جديدًا للدولة.

  • الرابطة اليوم فيها مستشارون سياسيون وقانونيون؟

 بالطبع فيها، لكني أقول… الأولى أن ننتظر “المجلس الإسلامي الأعلى”، فهو من الناحية الدينية تمثيله أكبر بكثير، ومن الناحية الأخرى، أيضًا يعرف كيف يختار سياسيين ملائمين لمثل هذا الموقف.

  • أود أن أسأل عن مشاريعكم الحالية… سؤال كبير لا نريد الخوض في تفاصيله كثيرًا، الرابطة تتلقى تمويلًا كبيرًا، ماذا تفعل به، ما هي المشاريع التي تقومون بها.

أنا آسف، أريد أن أقول لك أنه لا يوجد تمويل نهائيًا، وفي آخر اجتماع لعلماء الرابطة كنا متحيرين في هذا الموضوع، كيف نمول رواتب الأخوة الذين يعملون معنا، (يوجد بينهم متطوعون، وآخرون لا يمكن أن يكونوا متطوعين لأن عليهم مسؤوليات).. فنحن في حرج كبير جدًا، كيف نؤمن سدّ الموازنة للرابطة، وبعد ذلك كل شخص منا يتكفل بمبلغ عن طريق بعض الداعمين ليستمر عمل الرابطة.

المكتب الإغاثي لوحده ليس له علاقة، المكتب الإغاثي له ميزانيته، وهو يتصرف فيها، ولا نتدخل فيه، ولكن لنا نوع من الرقابة عليه، والأهم من هذا الدولة التركية لها رقابة كاملة على الجمعيات كلها، ولا ترخص للجمعية، إلا بعد إعطاء نظم معينة يسيرون عليها، ومراقبة من الدولة.

  • عسكريًا وسياسيًا، هل تدعمون هذين الجانبين، وهل يوجد تمويل من قبلكم لكتائب على الأرض.

دورنا مع الأخوة العسكريين ينحصر في التوجيه والإرشاد، لا يوجد عندنا طاقة للقيام بأكثر من ذلك.

  • عفوًا، لكن يوجد بعض الكتائب تعتبر حضرتكم مرجعية لها، متل أجناد الشام أو غيرها، هذه الكتائب يتم توجيهها للتعاون مع الجبهة الإسلامية أو غيرها من الفصائل، هل هناك خطوات للاتحاد في جبهة واحدة؟

أصلًا التعاون قائم…

للوحدة معنيان، الاندماج الكامل، أو التنسيق فيما بينهم. نحن نتمنى ونسعى جاهدين ونحاول أن نضع خطط لذلك، ونودّ أن تندمج سوريا كلها مع بعضها البعض، يعني الكتائب والفصائل، وهنا أقولها بصراحة وقلتها لإخواننا في الداخل، إن لم تتم الوحدة والاندماج الكامل بين هؤلاء جميعًا (بين الكتائب المخلصة الصادقة) لن يسقط بشار الأسد، والذي يظن أنه سيسقط بهذه الكيفية وبالحالة التي نحن عليها فهو واهمٌ يخدع نفسه.

إلى الآن وحتى يتم هذا إن شاء الله، هذه الدماء التي تراق، إنما هي في أعناق الأخوة في الداخل، كل أخ يتمترس وراء جماعته، وراء الفصيل الخاص به، ويرفض الاندماج مع الآخرين، يتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية في الأرواح التي تزهق والدماء التي تراق.

  • نريد كلمة صغيرة غير تقليدية (بمعنى غير وعظية) إذا أردنا توجيهها للسوريين اليوم من رئيس رابطة علماء الشام؟

لا أريد تثبيط الناس، ولا أريد من طرف آخر أن أغشهم، أما أن تكون غير وعظية فنحن ليس بحوزتنا غير الوعظ (لا يوجد لدينا طريق آخر للوصول إلى قلوب الناس غير الوعظ)

  • في الحقيقة نحن نعول عليكم أكثر من ذلك، لأن السلطة قد تمنحكم الكثير من القوة في الوصول حتى للسياسيين أنفسهم، على سبيل المثال، حتى بدولة الظلم والاستبداد، ظل للشيخ مكانة يصل فيها للرئيس، لرؤساء الأفرع الأمنية، بمعنى آخر بقي له هذا الاحترام وهذه الهيبة.

هل تصدق أنهم كانوا يحترموننا؟ّ! كانوا يدجلون علينا فقط، وما جلست بعمري مع واحد منهم ووجدت في قلبي ذرة اطمئنان له.

  • بالطبع، أنا أقصد استثماركم لهذا المكان، لا شك أن النظام كان يصبر على هؤلاء الناس لأنه بحاجتهم وليس احترامًا لهم، لكن ما أقصده في هذا الباب هو أن علماء الشام بإمكانهم أن يصلوا لسياسيين ولديهم القدرة للتوفيق بينهم، أي أنكم تستطيعون أن تقوموا بجهود تؤدي إلى جمع القلوب فعليًا.

يوجد أدوار نقوم بها حاليًا، لكن لا أستطيع الخوض في التفاصيل، لئلا يحمل كلامي على أننا انتهينا ووصلنا لنتائج، ثم بعد ذلك نفشل ويكون كلامنا مجرد أقوال، يوجد عدة مشاريع من هذا النوع مابين الفصائل أو بين السياسيين أو بين الجهات الإغاثية…  لكن إذا ما وصلنا لنتيجة وأصبحت واضحة للعلن ولا أحد يستطيع التراجع عنها من أصحابها، عندها بإمكاننا القول نجحنا بهذا المشروع.

  • ماذا يمكن أن تقول أخيرًا للسوريين؟

أتوجه إلى إخواننا وأخواتنا أبناء الشعب السوري، أسال الله تعالى أن يعجل بالفرج، ونحن تعتصر قلوبنا ألمًا، على هذا الحال الذي نحن فيه، ولكن أملنا أولًا بالله تبارك وتعالى أن لا يتركنا لأنفسنا، وأن لا يكلنا إلى أعمالنا وأن يعاملنا بلطفه وجوده ومنّه وإحسانه وكرمه إن شاء الله.
ثم أيضًا أملنا بشعبنا والحمد لله… هذا الشعب الطيب المبارك، الشعب القوي جدًا، والذي أمدّه الله تعالى بقوة لم نرها في شعب من الشعوب، نتوجه إلى هذا، الشعب الكريم من الرجال والنساء والأطفال أن يصبروا، الصبر مفتاح الفرج، وما جنى الصابر في يوم من الأيام إلا النجاح والفلاح، والفوز إن شاء الله تبارك وتعالى، وكما يقولون “الصبر طيب”، وفي تاريخ الشعوب نرى شعوبًا صبرت على أحوال أسوأ من أحوالنا، ولكن في النتيجة نالت ما تريد، وحصلت على الثمرة التي تبتغيها.

وأسال الله تبارك وتعالى أن يمدّ هذا الشعب الطيب وأن يمدنا معه بالكثير الكثير من الصبر وحسن الظن بالله، وقضية حسن الظن بالله عز وجل عبادة مستقلة وعبادة من أعظم العبادات وربنا تبارك وتعالى يقول في الحديث القدسي، “أنا عند ظن عبدي بي، فليظنّ بي ماشاء”. يعني من ظن بالله الخير كان له الخير، ومن ظن بالله غير ذلك كان له غير ذلك

أتوجه إلى شعبنا الكريم أن نحسن الظن بالله عز وجل ونعظّم الأمل به سبحانه وتعالى، ولا بد إن شاء الله بفضل الله وكرمه أن نصل إلى الثمرة التي نريد والنتيجة التي نتمناها جميعًا من النصر القريب والفرج العاجل

أتوجه إلى إخواننا في الفصائل المقاتلة بأمر هو أهم من الأمور كلها، ولا يعلو عليه مطلب، لاعندنا ولا عند أبناء هذا الشعب، وهو أن يوحدوا كلمتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولا ينبغي أن نغش أنفسنا ونغش الناس، فنوحي لهم أن النصر قريب وأن النصر عاجل إن شاء الله، وكلمتنا مفرقة، لأن الكلمة إذا كانت متفرقة، والفصائل إذا كانت متباعدة عن بعضها البعض، فالتفكير بإسقاط نظام بشار الأسد هو حرث في الماء، ولا طائل من ورائه ولا جدوى، وهو كلام فارغ حقيقة، ونحن نعلم ونخاطب إخواننا في الفصائل ونخاطب شعبنا حتى يكون على بينة أننا لن نغشه في يوم من الأيام.

مالم تتوحد هذه الفصائل فلا أمل لنا أبدًا بالفرج، ولا رجاء لنا في سقوط بشار الأسد، حتى تتحد هذه الفصائل العسكرية، وأنا أعلم أن هذه الفصائل العسكرية تتمنى ذلك وتسعى وتسرع الخطا إليه، ولكن البعض -ولا حول ولا قوة إلا بالله- يتمترسون خلف نفوسهم، وأنانياتهم ورغباتهم الخاصة، وهذا والله حرامٌ حرام على إخواننا العسكريين الذين يقومون بمثل هذا، وهم الذين يؤخرون النصر ويؤخرون الفوز على هذا النظام الفاسد.

أسأل الله أن يصلح أحوال الجميع .

تابعنا على تويتر


Top