الغوطة والجنوب الدمشقي، الهروب من الموت جوعًا إلى الموت قنصًا

-وأطفاله-يمشون-فوق-الخراب-والدمار-في-احد-شوارع-مدينة-حلب-550x366.jpg

«الناس من جوعهم وبردهم الشديد لا يكلون ولا يملون وكأنهم أرادوا الانتحار في كل يوم»

لمى الديراني

دخلت غوطة دمشق عامهما الثاني للحصار الخانق، بينما أتم الجنوب الدمشقي ستة أشهر أو يزيد. حصار حرم ساكنيها من أبسط مقومات الحياة، فلا ماء ولا دواء ولا كهرباء ولا طعام ولا دفء، حصار أنهك كل قواهم ولا سبيل للخروج منه أو كسره، وبعد أن منعت عنهم المساعدات الإنسانية وفشلت كل النداءات الإنسانية لفك الحصار، لم يكن للمدنيين أي وسيلة للنجاة إلا الهروب عبر حواجز النظام التي تحيط بالمناطق المحاصرة كالسوار، بعد أن نفذت المؤونة الموجودة لديهم وافتقدوا رغيف الخبز منذ أكثر من ثمانية أشهر، ولأن المحاصرين أكلوا ورق الشجر وحتى «الكرتون»، ضاقت بهم السبل والحيل بعد أن فشلت كل المحاولات، فكانت المخاطرة بتسليم أنفسهم لحواجز النظام أو محاولة تخطيها الحل الوحيد، ولو كان طريقهم نحو الموت.

وبحسب شبكة أخبار دمشق، قامت الفصائل الفلسطينية في مخيم اليرموك من الجيش الحر بطرح مبادرة هدنة مع النظام والقيادة العامة الفلسطينية بقيادة «أحمد جبريل» لرفع الحصار عن المخيم والسماح بإدخال المعونات مقابل خروج الجيش الحر مع بقاء الفصائل الفلسطينية غير المسلحة لإدارة شؤون المخيم. وبالفعل قام عناصر الجيش الحر بالانسحاب بانتظار تنفيذ بقية بنود المبادرة إلا أن النظام قام بالمماطلة وبدأ بفرض شروط «تعجيزية» تبين من خلالها أنه لن يقوم بالتنفيذ، فخرج الأهالي المحاصرون في مظاهرات باتجاه الحواجز للمطالبة برفع الحصار وفتح ممرات إنسانية فقامت عناصر النظام بإطلاق النار باتجاههم موقعة عددًا من الجرحى والشهداء.

وعلى حاجز الحجر الأسود تكررت الحادثة عندما قام عدد من المدنيين من نساء وأطفال وشيوخ بمحاولة الخروج من بلداتهم، فما كان من عناصر النظام إلا أن قاموا بفتح نيران رشاشاتهم الثقيلة نحوهم فسقط ما يقارب الخمسين شهيدًا، قام عناصر النظام بسحب بعضهم وإحراق جثثهم، وتمكن مقاتلو الجيش الحر من سحب البعض الآخر، ومحاولات البحث عن جثث أخرى وانتشالها عرضت أرواح غيرهم للخطر وعداد الموت لازال في استمرار.

وفي جنوب العاصمة ذكر الدكتور وردان الناصير أن المدنيين «يتوهمون» في كل يوم أن النظام قد يعطف عليهم أو يرق قلبه لهم وذلك بعد سجن دام 6 أشهر ذاقوا خلاله في «سجن جنوب دمشق» أمرّ عذاب وهو تجويع الأطفال والشيوخ والنساء، ولكن في كل يوم يخرجون فيه على حواجز النظام (بيت سحم – سبينة – مخيم اليرموك) تتلقاهم رصاصات النظام لتأكل من أجسادهم العارية ما تأكل، وهم الذين لا يجدون ما يأكلون»، وأكد أن أعداد الشهداء الذين يسقطون بشكل يومي على حواجز النظام تتراوح ما بين شهيدين وعشرة شهداء بالإضافة لمئات الجرحى في المنطقة «والتي غصت بهم مشافينا ونقاطنا الطبية المتوزعة على كل المناطق».

وفي بيت سحم قصة أخرى، إذ كانت على موعد لخروج لجنة المصالحة «المزعومة»، وخلال إعطاء قوات النظام الأمر للجنة المصالحة بالعبور تراكض الناس الجياع من أطفال ونساء وشيوخ إلى ذلك الحاجز علهم ينالوا إذنًا بالخروج، لكن رصاصات «الانتقام والحقد الأعمى» من قبل قوات النظام كانت أسبق من خطواتهم، والسباقة إلى أجسادهم من «أرغفة الخبز التي ظنوا أنهم ملاقوها عند الحاجز وحصل ما حصل»، بحسب إفادة الدكتور ناصير، الذي اختتم كلامه: «المشكلة أن هذا يحصل كل يوم والناس من جوعهم وبردهم الشديد لا يكلون ولا يملون وكأنهم أرادوا الانتحار في كل يوم».

وفي غوطة دمشق، ذكر مراسل عنب بلدي هناك أن المدنيين الذين يحاولون الهروب منها بسبب شدة الحصار وانعدام أدنى متطلبات المعيشة، يتعرض بعضهم للقنص بسبب حصار المدينة من كل الجهات، ويقوم النظام بتسيير دوريات باستمرار لمراقبة الطرق المتاخمة للحواجز ويقوم باعتقال البعض وقنص آخرين، ليتم التعرف على جثثهم الملقاة على أطراف الطرقات بعد عدة أيام.

ومن ينجو من خطر «الموت قنصًا» لا ينجو من خطر الاعتقال، إذ حصلت حالات اعتقال عدة لأشخاص نجحوا في الخروج من المناطق المحاصرة «بأعجوبة» لتقتحم منازلهم قوات النظام وتعتقلهم نتيجة «إخباريات» عنهم.

وتبقى غوطة دمشق وجنوب العاصمة يدفعان ثمن صمودهما كل هذه المدة موتًا وجوعًا وقهرًا وخذلانًا من كل الأطراف، ويبقى صمودهم أسطورة لا زالت تكتب سطورها بدماء الصامدين والمحاصرين.

تابعنا على تويتر


Top