سقف الوطن يجمعنا

-من-الجيش-الحر-يحمل-طفلة-550x412.jpg

لمى الديراني

ظلام حالك، وسكون مخيف تبدده أصوات انفجار الصواريخ التي تهطل على مدينة دير الزور مساءً، ترافقها أصوات رشاشات البي كي سي وقذائف الهاون والآر بي جي التي يطلقها الثوار على معاقل النظام، ولا شيء ينير الدرب أمامك سوى الضوء الذي تشعله القذائف في السماء فينير درب من يسيرون في الظلام لثوان قليلة. برد قارس يكاد يفتت العظام، ورجل في الثلاثينيات من عمره اختار أن يقطع كل تلك المسافة ويتجاوز القناص الذي يكشف «مقهى الانترنت» ليتمكن من الحديث مع زوجته وأطفاله، فعمر مقاتل في الجيش الحر، حرم من رؤية أطفاله وزوجته منذ عام ونصف العام حين قرر أن الوطن أغلى من عائلته المحاصرة في الجورة والتزم الجبهة للدفاع عن مدينته.

داخل المقهى، يهمس عمر، «ليش تبكي يا ابني يا الله أبوك ترك رجال بالبيت بده ينتبه على أهله» الرجل الذي أراده والده حاميًا لأهله، لم يكن سوى طفل في الخامسة من عمره دموعه تنهمر كشلال من شوقه لوالده، يقطع بكاءه صوت والده من خلف شاشة الكمبيوتر «اوعدك تاخذ بارودتي بس اروح تكمل عني تحامي عرضك، أرضك».. ثم يصمت ويكسر الصمت بكلمات تخرج كالسيف جارحة «الله لا يحيجك الها بيوم ان شاالله ننتصر وما تحتاجها ولا احتاجها».

بسرعة يتابع حديثه مع زوجته، فالوقت يداهمه والجبهة تناديه، «خليني اسمع صوت الاولاد حرام عليكي لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم» وبدأت الدموع تنهمر بصمت الرجال «خليني اسمع صوتهم حرام عليكي.. طيب خلينياشوفهم بس نظرة اذا قلتي نايمين، والله ما اترك سلاحي غير نتحرر ان شاالله حرام عليكي…»

وينهي المكالمة بطلبه من زوجته ألا تغلق وبأنه سيعود للحديث معها بعد قليل، يجهش مع سحب نفس عميق بالبكاء بصوت لا يسمعه أكثر من الشخص الأقرب له في مقهى الانترنت.

في زاوية أخرى من زوايا المدينة، شاب في العشرينيات من عمره، ضاقت به طول البلاد وعرضها للقاء عائلته، فكان أن جمعهم الشارع لدقائق معدودة، أزيز الرصاص من كل حدب وصوب، وبارودته المتدلية من على كتفه تدعوه للعودة سريعًا لمقره فالوقت يداهمه، وكان اللقاء، زوجته الشابة في مقتبل العشرينيات وأطفال صغار أعمارهم لا تتجاوز الرابعة والثانية، تحدثوا كثيرًا فالأحاديث تطول ولكن الوقت جعل لحظات الصمت أكثر من لحظات الكلام، يحمل طفليه بين ذراعيه، يقبلهما يضمهما، ويكمل حديثه لزوجته الواقفة أمامه، ينزل الأطفال تارة ويعيد حملهم تارة أخرى، وتدق عقارب الساعة أن انتهى اللقاء، يودع الجميع، يقبل الأطفال ويسير في طريقه.. خطواته تجره نحو الوراء، يعود لهم، دموعه لا تفارقه، يضمهم، والأطفال وزوجته يبكون بحرقة، ثم يقف ويكمل مسيره، زوجته والأطفال ينظرون خلفهم وتمسك الزوجة بيد الأطفال كي لا يفلتوا يدها ويركضوا في الشارع للحاق والدهم، ثم يركضون ويصرخون «بابااا» فيضمهم ويقبلهم، وأخيرًا… يتركهم ويكمل سيره دون أن ينظر خلفه.. والأطفال تجرهم والدتهم وهم يصرخون «بابااا» وصدى الكلمة يخفت شيئًا فشيئًا مع أصوات القذائف المنهمرة من السماء.

تابعنا على تويتر


Top