من هو الأكثر حضارة؟

-هو-الأكثر-حضارة.jpg

عنب بلدي – العدد 98 – الأحد 5/1/2014

من هو الأكثر حضارةحنين النقري

صعب، قاسٍ، ومرير هو الحصار، يطاردك بجوعه وبرده وتشريده والخوف من المجهول، ومن قذيفة تكون أنت أو أحد أحبابك هدفها القادم…

صعوبات كثيرة مطويّة بين ثناياه، لكن أحدًا لا يعترف أن الصعوبة الأولى فيه؛ التحدي الأكثر إيلامًا هو الخروج عن دائرة المألوف، العيش خارج النمط «الحضاري» الذي اعتدناه.

أمور اعتدت لسنوات وسنوات ألّا تفعلها، أن تؤمّن لك جاهزة؛ حياة «ركنت» لحلوها ومرّها دومًا.. ليس المهم أنها حلوة، بل لعلها كانت رتيبة ومملة، المهم أنك «ركنت» و “اعتدت»، ولا ترغب بتغيير هذا النمط، لا تريد أن تعيش خارج دائرة المألوف التي رُسمت لك.

حيث القليل من الموارد، القليل من الطعام، القليل من كلّ شيء؛ سيجبرك الحصار أن تنظر بعينين مختلفتين نظرة أخرى؛ أن تنظر إلى جسدك ويديك وعقلك.. وتستخدمها بطرق لم يعلّموك أنها خلقت لأجلها.

مشكلة الحضارة التي أوصلنا إليها القرن الحادي والعشرين، أنها -تمامًا كما الوجبات السريعة- حضارة مالئة لا مشبعة، تملأ معدتك ولا تقوي جسدك، تمنحك السمنة لا الصحّة، الكثير من الدهون والقليل من المناعة، حضارة القرن الحادي والعشرين تشبه أجساد أفراده حقّا.. سمينة ممتلئة شكلًا.. لكنها خرّت صريعة أمام أول تحدِّ واجهها، وتركتنا وحدنا، بمفردنا؛ نواجه «القليل» الذي ما عوّدتنا عليه، نواجهه بعقولنا وأيدينا، تلك التي أبدلناها بأجهزة الحاسب والآلات لعقود.

عودتنا حضارتنا «الكرتونية» أن نحصل على طعامنا جاهزًا، معدًّا.. أعطتنا الطرق السهلة السريعة لتسخينه دون عناء إيقاد النار -الاكتشاف الإنساني الأعظم-، نأكله متى شئنا بالكميات التي نريد، تعوّدنا أن نشتري ما نريد «لا ما نحتاج» دون قيد أو شرط، هو المال يفعل كل شيء.. وما دمت تملك المال فأنت تملك كل شيء!

هذا المال ذاته لم يستطع إسعافنا عندما خارت تلك الحضارة أمام الحصار، فوجدنا أنفسنا جوعى، من دون كساء.

وبرأيي فإن المشكلة الأولى في الحصار ليست غياب الموارد أبدًا.

المشكلة في غياب المهارات والقدرات الإنسانية الأولى الواجب توافرها في كلّ منّا، المشكلة في حصار قديم فرضته الحضارة على أيدينا وعقولنا بحجة «السرعة»، «التمدّن»، وجعل الأمور أسهل، لكننا لم نثر على هذا الحصار، لم نشعر به، وسلمنا له عقولنا وأيدينا عن طيب خاطر.

الحصار مرّ جدّا، صعب، لكنه ناقوس خطر ينبغي أن يلفت أنظارنا لمدى زيف حضارة لم يتعلم الفرد فيها كيف يصنع رغيفه بدءً من زراعة سنبلة، ولم يتقن حياكة كسائه حتى بأبسط شكل، حضارة غدا الحصول على منزل فيها حلما تحتاج ثروة لتحقيقه؛ مع أن السكن أحد حقوقك الإنسانية الأولى التي يحصل عليها كل مخلوق في الطبيعة باستثنائك.

حديثي اليوم عن الحصار -وأنا أعيشه لا أكتب عنه فقط- ليس من ناحية سياسية، عسكرية، ولا هو دعوة للتقشف والزهد ونبذ مظاهر الحضارة -التي سنعود لها فور فك الحصار وتحسن الأوضاع طبعًا-، بل هو محاولة بسيطة لاستنباط المعاني الإيجابية فيه، لنتخيل أنفسنا في ظروف الإنسان الأول ونتعلم المهارات التي سمحت له بالتأقلم مع أقسى الظروف، الحيل الطبيعية التي لم تجعله يموت جوعًا شتاءً.

الصورة المرسومة في أذهاننا لإنسان الكهف الأول أنه كان متوحشًا جدًا.. لكن اليوم، ربما يتوجب علينا العودة إليه.. ليعلمنا القليل مما يعرفه.. القليل من دروس الحضارة الحقيقيّة.. الأكثر نفعًا.

تابعنا على تويتر


Top