سأسهر وأنتظر، هكذا قالت أمي

1509057_568307049922831_1201313600_n.jpg

لمى الديراني

عام وسبعة أشهر وسبعة عشر يومًا مضت على غياب أحمد حلمي.

أحمد، ذو الخمس وعشرون ربيعًا، طالب ماجستير اقتصاد في جامعة دمشق، حاله كحال معظم الشباب السوري، منعته يد القمع الأسدية من إكمال دراسته التي أوقفت رغمًا عنه بعد أن استحالت شوارع العاصمة سجنًا لا يطاق.

نشط أحمد منذ انطلاقة الثورة السلمية في مجال الإغاثة، حيث انتسب مع بداية موجة نزوح أهالي حمص من مدينتهم في منظمة الهلال الأحمر السوري ليكمل مشواره في إغاثة النازحين والسهر على تأمين مأوى لمئات العائلات التي وصلت إلى داريا تباعًا في جنح الظلام.

ولأنه لم يرض بالظلم لنفسه ولا لأهله ووطنه، وقف في صف المدافعين عن الحق فحرم من أبسط حقوق مواطنته، وهو الذهاب إلى جامعته، فكان كلما حنّ إليها ذهب لينظر إليها من خارج أسوارها مستذكرًا كل لحظاته التي قضاها في كنفها، قد يذرف دمعة أو دمعتين، قد يشعر بغصة بالغة لأن أصدقائه يدخلون إليها ويخرجون، يتابعون ما بدأوه سوية وهو من كل ذلك محروم.

أحمد، الذي حمل على عاتقه، وشباب مدينته، مساعدة عوائل الشهداء والمعتقلين، وهو الذي يعلم علم اليقين أن يومًا ما سيكون دوره في عداد المعتقلين لا لشيء إلا لنشاطه السلمي ومساندة أهل مدينته، كان جل ما يخشاه أن يقع في قبضة رجالات الأمن، وهو ما حصل في نهاية المطاف.

في ليلة الأحد، وبعد أن انتصف الليل وسكن الكل للنوم، طرق الباب ثلاثون عنصرًا مدججون بالسلاح، لثوان معدودة كانوا قد كسروا الباب ودخلوا وكأنهم يقتحمون كتيبة بأكملها، صياحهم وصرخاتهم أيقظت كل من في المنزل، عاثوا في أركان المنزل فسادًا ورعبًا وحقدًا، باحثين عن أي دليل يدينه، لم يجدوا شيئًا، وهموا بالخروج من المنزل، كانوا يبحثون عن شاب آخر يحمل اسمًا وكنيةً مختلفتين تمامًا. وما لبثوا أن عادوا مسرعين، ثلاثون عنصرًا آخرين، يسألون عن طالب «ماجستير الاقتصاد» إذ أن المخبر الذي كان معهم يعرف مكانه ومجال دراسته ويجهل اسمه، وكان أن خرجوا وأخذوه معهم بعد أن أرهبوا كل من في المنزل حتى أطفال أخيه البالغين من العمر حينها أربعة أعوام وعامين.

حين خرجوا بعد مضي ساعتين من التفتيش والأخذ والرد، هدد أحد الضباط والدته بالقول: «والله لأقتلك اياه تحت» فما كان منها إلا أن قالت: «في إلو الله ما بينساه»

وتمضي الأيام، ونزحت العائلة من منزلها واستحال المنزل خرابًا مثلما استحالت داريا كلها، ومضى عام وشهران على النزوح، تنام والدته كل ليلة ودموعها تغرق وسادتها وهي تدعو له قبل نومها أن يفرج الله عنه سجنه وتستيقظ على أمل عودته. في كل صلاة له من قلبها دعاء، وتنتظره. الأم التي سمعت بخبر استشهاد ابنها مرتين أو ثلاث، انهارت كل قواها، لكن ما صبّر قلبها كان جملته التي ترن في رأسها «ماما أنا طالع دعيلي، بيجوز ما ارجع ها، أوعك إزا استشهدت تبكي.. بدك تفرحيلي ها أوعك تبكي»

والدة أحمد ووالده وأخوته جميعًا يعدون ثواني غيابه ثانيةَ ثانية، تمضي كالسيف تقطع معها ثقل الأيام، ومضى أول عيد والثاني، والثالث والرابع، انتهى الصيف وعاد الصيف وأتى شتاء وانتهى شتاء ولم يعد أحمد، وفي انتظاره، لازالت دموع والدته وأملها ويقينها بالله مستمران كلما أشرقت شمس وغابت..

تابعنا على تويتر


Top