التركيبة السورية.. تناغم فسيفسائي واختلاف خلّاق

images-1.jpg

أسيمة صالح

نعمنا في سنواتنا السابقة بفرصة الصحبة التي قد لا نسمع عنها اليوم، ناهيك عن أن نشهدها، سوى في روايات أمين معلوف المسكونة بحنين لماضي وطنٍ أصابه ما أصابه من شيطان الحرب الأهلية الذي ما فارقه سنين عدة، فمزق كيانه وهدّم مواطن قوته وركائز مستقبله. صحبة تثير فيك الفضول وتدفعك لطرح تساؤلات تعرفك بما تجهله فتأخذ من صحبك وتعطيهم، تعلمك تقدير الاختلاف وحمده، وتعرفك بالذات الأخرى خارج حدود التشابه والاختلاف والمعتقد والقالب، وتفتح أبوابًا لسبر أواصر علاقة تدوم بإنكار الذات وإقرار الحق، لا يشوبها نزعة علوّ ولا غرور أفضلية.

أما اليوم، بعد أن اخترنا أن نقف بوجه من لم يترك مساحة للتعبير والإبداع أو لتحقيق الذات، ترانا نتحلّق حول معتقداتٍ صدَق إيماننا بها، ولربما لم يصدق، ونتقوقع بعيدًا عن أي ساحة اختلافٍ قد تكون منشأ حوار أو مدعاة ابتسامة. ونرفض كل مختلفٍ فكرًا كان أم مذهبًا، ونبرر رفض أحدهما بالآخر، فنكفّر من خالف رأينا ونصمّ آذاننا عن الذي لا يشاطرنا الملة.

اليوم آلت بنا الحال إلى أن نختصر تجانسًا فياضًا إلى الخط الفاصل بين مكوناته، فلم نعد نرى من تركيبة منسجمة تاريخها ممعنٌ في القدم إلا «أقلية» و «أكثرية»، كل منهما لها احتكار الحق والدين والعقل والمنطق ونكران الباطل عن نفسها واتهام الآخر به. نهدم بأيدينا ما يخفي في جوهره مصدر قوتنا ويحمل في طياته أساس شرعية أمة يعزز إرثها الحضاري تنوُّعه الثقافي والعرقي والعقائدي.

جدتي المسلمة التي كانت، ولا تزال، تدعو بالخير للطبيب اليهودي الذي أشرف على علاجها منذ سنوات، وتذكُر بالخير محاسن الجيرة الطيبة في حي العمارة الدمشقي الذي ضم ساكنيه على اختلاف معتقداتهم ولم يفاضل بينهم على أساس الانتماء كما هم لم يفاضلوا بعضهم على أساسه؛ جارنا المسيحي الذي كان يخصص من الطعام والشراب ما يناسب شريعة الإسلام ليقدمه لجيرانه الذين اعتادوا أن يقبلوا مهنئين بعيد الفصح؛ صديقي الكردي الذي لم يتوانَ عن مساعدة زملائه العرب دراسيًا أو دفعهم ومساندتهم معنويًا.

أيُرسم هذا الماضي العذب مستقبلًا مرة أخرى بأيد شبابٍ تواقٍ للحرية الحق يسعى لنيلها وإن ضاقت عليه وتاهت به السبل؟ أم سيتحول إلى خطوط رواية تسرد حكايا من جمعتهم صدفةٌ لم تكن غير اعتيادية حينها، ثم فرقتهم الأيام بين من اختار الهرب وبين من حُتّم عليه، ترد فيها حقيقة البعض وتشوَّه حقيقة البعض بغشاوة رفض تقبل الآخر؛ رواية يكتبها بعد سنين، وبلغة أجنبية، من هو اليوم طفلٌ في مخيم الزعتري، يخط بأسطر على ورق ما آلمه في غربته وما حمله غصة في صدره طوال سنين؟

تابعنا على تويتر


Top