بين التخمة والشبع والموت جوعًا

معتز مراد

هل يتخيل الذين تستمر حياتهم بشكل عادي في سوريا أو خارجها، كيف يعيش المحاصرون في بعض المناطق المحررة، والتي أحكم النظام فيها طوقًا خانقًا، بهدف إسقاطها جوعًا بعد عجزه عن كسرها بقوة الحديد والنار؟

كلنا يعلم أنه في الأيام العادية فإن الكثير من الناس يأكلون لمجرد الأكل، حيث يذهبون إلى المطاعم والنزهات، ليجرّبوا الطعام الفلاني والمطعم العلاني، ويطلبون على موائدهم أطيب الوجبات وألذها، وتذهب إلى الحاويات ضعف كميات الطعام التي يأكلونها، في مشهد من الإسراف والتخمة، يمارسه العالم، وليس الشعب السوري وحده.

وعندما بدأت عمليات الحصار تحكم قبضتها على بعض المدن المحررة من سلطة النظام، ولاح أن أيامًا سوداء قادمة في الأفق، بدأت عمليات التقنين والتقشف، فلم تعد هناك حلويات فاخرة، ولا شوكولاه، ولا مشروبات غازية، وبدأ شكل رغيف الخبز يختلف من منظره الشهي الأبيض ذو الرائحة الزكية، شيئًا فشيئًا إلى منظره القريب من اللون البني، صغير الحجم أشبه ما يكون بقطع الخشب. ولكن طوال تلك المدة، لم يشعر المحاصرون بالجوع، إلاّ أن أيام التخمة والإسراف انتهت، وباتوا حريصين على لقمة الخبز اليابس وكيلو الطحين الأسمر، وأصحبت المواد الغذائية شيئًا لا يفرط فيه أبدًا.

ومع طول المحنة وزيادة أمد الحصار ونفاد المواد الغذائية، بات اعتماد الكثيرين من أهالي هذه المدن (معضمية الشام- داريا- مخيم اليرموك- حمص القديمة وغيرها) على وجبة بسيطة كالأرز، وبعدها أصبحت الشوربة، المكونة من كميات محدودة من الأرز والعدس واللحم، هي الوجبة العامة، وهي في أحسن الأحوال تسد رمقًا ولا تقيم صلبًا، مع حبات من الزيتون وحشائش السلق والسبانخ والفجل والجرجير.

وجرّب المحاصرون أكل ورق شجر العنب والمشمش كبديل عن الخبز، وأصبحت «السَلَطَة» المكونة من السبانخ ونبتة الفُصّى وغيرها من حشائش الأرض التي لم يكن أحد يتخيل أكلها من قبل من الأكلات المعروفة. وبتنا نرى ونسمع عن الجوع ونعيشه، ولا غرابة أن تجد أشخاصًا لم يأكلوا وجبة كاملة لمدة أيام، وأنّ كأس الشاي «مع السكر» أو عشاءً فيه الأرز واللحم، أو «طنجرة مجدرة» مع السلطة، غدت وجبات يدعو البعض بعضهم عليها ويجدونها أشبه بالكنز. والكثير منّا شاهد حالات الموت بسبب نقص التغذية وسوء الامتصاص عند الأطفال والمرضى على وجه الخصوص.

ومن نُكَت المحاصرين، أنه عندما تخرج دعاية إعلانية على شاشات التلفاز وفيها فتاة جميلة تأكل الشوكولاه، فإن الأنظار تلاحظ قطعة الشكولاه الشهية لا تلك الفتاة. وبات منظر قطعة البيتزا أو الدجاج المقلي أو الوجبات السريعة على التلفزيون أكبر فتنة يتعرض لها المحاصرون وتستفز غرائزهم، ولسان حالهم يقول: متى ترجع تلك الأيام التي يمكننا فيها أكل هذا الطعام الشهي؟ ورغم كل تلك الحاجات الفطرية، فترى أمثلة رائعة من الصبر والثبات والإيمان بالقضية، حالات يخشع لها الإنسان وتقشعرّ لها الأبدان، فلا مانع من الصبر على الجوع، ولكن المهم أن نتحرر في النهاية من حكم الأسد، ومن الذل والعار الذي عشنا فيه لعقود طويلة. وبلغت المأساة حدًّا أن وصلت أسعار المواد الغذائية إلى مستويات خيالية نتيجة ندرة المواد، فكيلو غرام السكر أو الأرز أو البرغل يصل في حالات إلى عشرة آلاف ليرة سورية، وهناك من يبحث عنه ومستعد لشرائه، كل ذلك ليبقى أؤلئك الأبطال قادرون على الصمود في وجه نظامٍ أقل ما يُقال فيه، أنه تجرد من كل المعاني الإنسانية والقيم الأخلاقية والمبادئ الدينية، وقرر أن يتحالف مع إبليس حتى النهاية.

تابعنا على تويتر


Top