الكــــذب على الأطفال

lying.jpg

عنب بلدي – العدد 100 – الاثنين 20/1/2014

lyingبيلسان عمر

«أما إنك لو لم تعطه شيئًا كتبت عليك كذبة»، كثيرًا ما مر معنا هذا الحديث النبوي، ورددناه مرارًا، ولكن كم مرة وقفنا عند الهدف السامي منه، والخلق الراقي الذي ينبهنا إليه في غفلة منّا ونحن نتعامل مع أبنائنا بحجة أنهم صغار؛ إذ بات الكذب على الأطفال جزءًا من حياتهم، ليفقدوا الثقة بقدوتهم ووالديهم الذَيْن يساهمان في وضع أرجل أطفالهم على المنعطف الأول لطريق الكذب الطويل.

يبدأ الكذب على الأطفال من همسات الأم في آذانهم، أو مداعبتها لهم، ودغدغتهم قبل النوم بكلمات وأغان ووعود لا قدرة للأهل على تنفيذها، لا من قريب ولا من بعيد؛ ثم يكبر الطفل وتكبر أكاذيب الأهل معه، بدءًا بإغلاق الأهل أيديهم ادّعاءً أمام الطفل أنهم يخبئون له مفاجأة، إلى استخدام ألفاظ وعبارات تخويف من قبيل «بيجي العو» و»بياكلك الدودو»، وقصص الغول والغوريلا والمرأة السوداء والساحرة، غير مدركين –أو غير آبهين- بما لها من تأثير سلبي ومدمر على شخصية الطفل إضافة لتعليمه الكذب.

وينمو الطفل ويتزايد نشاطه وتفاعله ليواجه بـ «بيحرقك الله بالنار» مع كل هفوة يرتكبها، فيتصور أن الرب مهمته الوحيدة الإحراق، وبـ «بيمسخك الشيطان» فيبدأ تفكيره يبتعد نحو استيعاب معنى الشيطان والمسخ بدل التركيز على الخطأ والصواب.

يطرق باب المنزل ويطلب السائل الوالد، فيرسل ابنه أن يخبره أن والدي ليس في المنزل؛ يحسن الطفل التصرف فيوعد بشراء له أشياء جميلة له، أو اصطحابه إلى الحديقة أو لزيارة، دونما أن ينفذ أي من هذه الوعود مجددًا، وهلّم جرًّا من قبيل هذه العبارات والمواقف.

وإذ يكون الفرد خلال مرحلة الطفولة مغناطيسًا يجذب إليه ما يسمعه، يتوجب على الوالدين مراقبة كل كلمة يتفوهان بها أمامه، وأن يتركز اهتمامهما على أن يكونا قدوة حسنة لطفلهما، فيشجعانه بتقديم الهدايا والمكافآت، والأنشطة والألعاب التي تحفزه على الصدق، متجنبين الكذب، سواء على طفلهما أو على غيره، فلا يستمرئ هذا الطفل الخلق السيء.

أم محمد (أم لطفلين) تقول «أنا لا أكذب على أولادي، بل أخيفهم بأشياء موجودة»، من قبيل «بينقرك الديك» و «بتحترق بالشمعة والصوبيا والمكواية»، وتتابع أم محمد: «بعد فترة لاحظت خوف ابني الشديد من هذه الأشياء، حتى لمجرد ذكرها أمامه».

أما وائل ذو العشرة أعوام فيرى أن والديه سبب تعلمه الكذب، إذ نشأ مع والديه وإخوته في بيت جدهم، فعلمه والداه منذ صغره ألا يخبر أقرباءهم بأي شيء عن حياتهم.. «تعوّدنا منذ أن كنا صغارًا أن نكذب ع جدو وتيتي.. وكل ما يسألونا على شغلة نقول ما عندنا منها، وما أكلنا الأكلة الفلانية، وما معه بابا مصاري يجيب لكم أغراض»، وكبر وائل واستمرأ هذا التصرف للتهرب من مسؤوليته أمام جديه –كما يقول- «وحتى أخي سامي وأختي ريم تعودوا متلي يكذبوا.. وإذا ما كذبنا بتخانقنا ماما»، في حين ترى الأم أن هذا ليس كذبًا، وإنما حقها الطبيعي في حياة خاصة وزوجها وأولادهما، دونما رقيب عليهم.

في حين حصل شيء مختلف مع سامي ابن الثامنة، إذ يقول «كنت كل ما دقيت باب جيراننا أسألهم عن ابنهم لنلعب سوا يقولو لي مو بالبيت، مع أني شوفه أول ما يفوت ع البيت، وحتى لما ماما تسألهم عن أي شغلة نقصتها بالبيت يقولوا لها ما عنا منها، وكل مرة يخترعوا كذبة أكبر، وأنا تضايقت كتير وخبرت ماما وبابا، ونبهوا عليّ كل ما سألني حدا من الجيران على شيء خبرهم أنو ما عندنا، وما ألعب مع أولادهم».

ويبقى الطفل مرآة تعكس ثقافة وتربية والديه، «فأبواه إما يهودانه أو يمجّسانه أو ينصرانه»، وكذا إما يغرسان فيه ما ساء من خلق وفعل، أو يربيانه التربية الجيدة والأخلاق النبيلة، ليتفاعل فيما بعد مع بيئته بما لديه من أرضيّة متماسكة وثابتة من القيم والمثل العليا.

وينشأ ناشئ الفتيان فينا                  على ما كان عوّده أبوه

تابعنا على تويتر


Top