معابر النجاة، هاربون من جحيم القصف إلى ظلمات الطريق

5253173d407671.jpg

لمى الديراني

ضجيج الحافلات الواصلة إلى «الأوتوغار» أو الكراج يكاد يصيب بالصمم، هدير الناس كالنحل، مئات الحقائب المرمية على الأرصفة بانتظار توقيت وصول حافلة ما ذاهبة إلى مدينة أخرى، ووجوه يعلوها التعب، كلما اقتربت منها أكثر كلما بدت لك اللهجة السورية على تنوعها واضحة أكثر، تسمع بقايا من أحاديث عابرة تمر بطيئة مع ثقل وقت الانتظار.

فاطمة، سيدة في مقتبل العشرينيات، نزلت من الحافلة التي وصلت لتوها إلى كراج عنتاب، تحمل بين يديها طفلها ذو الستة أشهر، ويمسك بثيابها طفلين لا يتجاوز عمر الكبير أربعة أعوام، يسرعون الخطى نحو باب الخروج، الوحل يغطي ثلاثة أرباع قدمي الطفلين الصغيرين، لا يقويان على رفع قدميهما من ثقل الوحل الذي ملأ حذائيهما، وبقعة زرقاء تلون أسفل عين والدتهما، تحمل في يدها حقيبة كبيرة وطفليها يجران حقيبة أكبر من حجميهما، بينما يسرع زوجها الخطى وهو يجر حقيبتين وراءه، والتعب قد أخذ منهم مأخذه فالرحلة نحو عنتاب كانت شاقة بكل معنى الكلمة بعد أن أغلقت المعابر الحدودية مع تركيا إثر الاشتباكات الدائرة مؤخرًا بين فصائل من الجيش الحر ومقاتلي الدولة الاسلامية.

القصف الوحشي والاشتباكات الطاحنة أجبرت عائلة فاطمة على الرحيل، ولكن أين المفر؟ فلا معابر ولا مخرج، والموت يداهمهم كل ثانية، وكانت قد قررت وزوجها سلوك طرق التهريب رغم خطورتها ووعورتها، لتصل في هذه الحال بعد ثلاثة أيام من المحاولات الشاقة التي كادت تودي بحياتها وحياة أطفالها «لولا ستر الله».

أم محمد، سيدة في عقدها الخمسين، مر عامان ولم تر ابنها الذي كان من أوائل الإعلاميين في محافظة إدلب، والذي فرضت عليه الظروف التخفي في قرى ريف إدلب إلى أن أضطر أخيرًا للخروج إلى تركيا، قررت أن تأتي لرؤية ابنها ولكن قرارها جاء بعد أن أغلقت المعابر، فاضطرت لسلوك طريق التهريب. السيدة الخمسينية اضطرت للسير على قدميها مسافات طويلة تخب في الوحل لساعات، لتصل إلى نهر وتعبره بواسطة «حلة» حديدة كبيرة يتم جرها بحبل إلى الضفة الأخرى، ثم تقطع مسافات بجرار زراعي كبير لتعبر إلى الطريق المعبد، ثم لتقلها سيارة إلى الحدود التركية فسيارة أخرى إلى الريحانية. ساعات طوال استغرقت منها وقتها وجهدها وأعصابها، وهي التي رافقها ابنها الآخر مما زاد خوفها خوفًا خشية اعتقاله أو تعرضه للخطر على الطريق.

أم محمد، لم تدرك خطورة الطريق حتى مشت فيه، ولم تدرك أنه متعب ومكلف لدرجة أنها كانت تدفع مبالغ تتراوح ما بين ألفين إلى خمسة آلاف ليرة سورية عن كل خطوة تخطو بها للمهربين على الطريق.

أما فرح، سيدة في الثالثة والعشرين من عمرها، التي قررت اللحاق بزوجها إلى تركيا وهي فلسطينية الجنسية، ولا يمكنها الدخول «رسميًا» إلى الأراضي التركية، فكان الطريق الوحيد أمامها الدخول عبر طرق التهريب، وكانت الرحلة من دمشق إلى الحدود مساءً لتسلم نفسها إلى «المهرب» الذي تولى أمر تهريبها مع غيرها من «الهاربين». كان على فرح أن تعبر أنفاقًا تحت الأرض لا تكاد تتسع لجسدها النحيل، تدفع حقيبتها بيد وتجر نفسها بيد أخرى حتى انتهى النفق، ثم خرجت إلى أرض زراعية كبيرة حيث تفاجأت أن المهرب قد تخلى عنها وعن بقية المرافقين لها في الرحلة حين بدأ الجيش التركي بإطلاق النار عليهم وفر كل واحد منهم في جهة، وكان حظها قد أسعفها حين تفادت رصاصات حرس الحدود ووجدت من تكمل طريقها معهم إلى أن وصلت إلى بر الأمان.

وتستمر معاناة السوريون حتى اللحظة، الهاربون من جحيم القصف الهمجي إلى جحيم عبور الحدود للوصول إلى «أمان» قد لا يكون أمانًا أو على الأقل يتطلب منهم الكثير من الشقاء والتعب للوصول إليه في نهاية المطاف.

تابعنا على تويتر


Top