داريّـــــــا بعيون أطفالها المهجّرين

650_433_01360565213.jpg

عنب بلدي – العدد 101 – الأحد 26 كانون الثاني 2014

أطفال داريابيلسان عمر

تركّز المناهج المدرسية على مفهوم الاستقرار في الوطن، وتتطرق لموضوع الهجرة الداخلية والهجرة القسرية بسبب الحروب، وكذلك الهجرات العربية سابقًا في بلاد الشام ومصر وبلاد الرافدين، والهجرة إلى الحبشة لنشر الدعوة الإسلامية، ثم هجرة الرسول محمد إلى المدينة تاركًا مكة أحب المدن إليه، ولكن هل سيذكر التاريخ أطفال سوريا المهجرين تحت ضغط إرهاب النظام الأسدي، وهل سيسلّط الضوء على معاناتهم ومشاعرهم التي تجرفها آلة الحرب كما تجرف كل شيء، وهل ستحتفظ ذاكرة التاريخ بصورة تلكم المناطق كما يحتفظ بها أطفالها.

بقي لأطفال مدينة داريا حلم يلوح بالعودة إليها ليهنؤوا كما كان عهدهم السابق بها. فها هو سامي، ابن الثامنة من عمره، يحدثنا عن داريا بعد أن أضناه برد النزوح، «هنيك بداريا عنا بيت كبير دافي، والبيت ع العضم وما فيه عفش أبدًا»، أما هيام ذات الأعوام العشرة فقد سئمت تمييزها عن غيرها من الأطفال كونها «نازحة» وتحن لمدرستها في داريا حيث «ما كانوا الأساتذة يميزوا بيننا… كنا ناخذ كتب جديدة بأول السنة، أما هلق لأنو نحن نازحين أعطونا كتب قديمة»، ولم تقف معاناة هيام عند «مجاكرة» أقرانها بجميل الألعاب والثياب التي حرمت منها، بل زادها الهلال الأحمر الذي وزع ثياب الشتاء على أهل المنطقة قبل نازحيها ليزيد حسرة هيام؛ «بداريا كنت دايمًا أعزم رفقاتي ع بيتنا، أما هلق بخجل أقول لحدا أنو نحن قاعدين بقبو معمل الكونسروة»، وهكذا حرمت هيام من الأصدقاء أيضًا.

أما خالد البالغ من العمر 11 عامًا، ابن مدينة داريا والمهجر إلى جارتها صحنايا، يذرف دموع الأسى على داريا وأيامها. فالشاب الصغير الذي اعتاد المشاركة في مظاهرات تطالب بإسقاط نظام الأسد بعد انتهاء الدوام المدرسي، «ممنوع تعملو مظاهرات، وممنوع تكتبو أي شي ع الحيطان» كان أول التنبيهات التي وجهت إليه عند انتسابه للمدرسة الجديدة.

يرقب خالد وأصدقاء آخرون له القصف على مدينتهم من نافذة الصف المطلة على المدينة، لتذرف دموعهم وسط شماتة الطلاب الآخرين فـ «أهل داريا بيستاهلوا أكتر من هيك لأنهم ما بحبو الرئيس».

وها هو رامي الذي نزح مرتين خلال أعوامه التسعة، من القنيطرة إلى المعضمية، ثم منها إلى الجديدة، يذكر حسن معاملة أهالي داريا معه « كنت روح مع ماما على داريا، ونطلب من الناس يعطونا مصاري وتياب وأكل، وكنا كل ما ندق باب يعطونا شو ما طلبنا، أما هلق كل ما طلبت من حدا بقلي إذا معك عطيني، وقلال اللي متل أهل داريا بحبوا الخير».

أمّ سلمى تقول أن الفرج أتى بخروجها من داريا لأنها ارتاحت من هم الإقامة مع أهل زوجها وتقيم حاليًا –خلال النزوح- مع أهلها الذين قلمّا تمكنت من زيارتهم، ومع ذلك فإن سلمى (7سنوات) تحب «أهل بابا وأهل ماما وداريا كتير».

أما رهف فتتألم على التعب الذي تلقاه والدتها، فرغم أنها في التاسعة من عمرها إلا أنها أدركت ما آل إليه حالهم «بداريا ماما ما كانت تروح عالجمعيات الخيرية، ولا تجيب معونات، وبابا كان يروح كل يوم ع الشغل ويجيبلنا أكلات طيبة، وكنا كل يوم نطبخ طبخة شكل ونعمل عزايم»، فوالد رهف اضطر للتوقف عن العمل لأنه «مطلوب على الحواجز»، وتضيف منذ خروجي وعائلتي من داريا «ما أكلنا لحمة ولا مرة، ولا فروج ولا سمك، وأكتر أكلنا برغل أو معكرونة أو شوربة».

وعلى الضفة الأخرى يقف رغيد (15 سنة)، والمتأزم لكونه من داريا نتيجة السباب وسوء المعاملة التي يلقاها كل مرة يمر من أحد حواجز النظام، فرغيد لا يطلب الكثير، «أنا بدي عيش أيامي متل كل رفقاتي، روح وإجي بدون ما حدا يخانقني إني من داريا»، وتضيق الحال برغيد حتى أنه يتمنى «أنو أغير هويتي وأكتب أي منطقة تانية ع مكان نفوسي… إلا داريا».

وتحتنق كلمات ريم ذات الأعوام الخمسة مع دموعها، فما تذكره من المدينة هو والدها المحاصر هناك، وحلمها بات محصورًا بعودته سالمًا.

وتبقى داريا صورة في عيون أطفالها، ذكريات دافئة للبعض، وغصة مؤلمة للآخرين، وما بين حالم بالعودة، وآمل بالخلاص تبقى المدينة بعيدة عن الجميع.

تابعنا على تويتر


Top