عناصر الأمن وتنظيم الازدحام

-عسكري.jpg

عنب بلدي – العدد 101 – الأحد 26 كانون الثاني 2014

حاجز-عسكريبيلسان عمر

لا يخفى على أحد الازدحام الحاصل في العاصمة دمشق وضواحيها «المأهولة» على الخدمات العامة نتيجة قلة أو انعدام الموارد، وتزايد الضغط السكاني بالتزامن مع حركة النزوح الكبيرة التي تشهدها المدينة من المناطق المتضررة المجاورة لها؛ إضافة إلى عدم توزيع الموارد بشكل عادل، وكذلك تعرض بعضها للإتلاف نتيجة سوء التخزين، ما أدى إلى مشاكل عدة، ومنها الازدحام.

وقد وجدت عناصر النظام الفرصة سانحة لها لتندس بين صفوف المتجمهرين، وتدّعي قدرتها على حل هذه الأزمة، و»تستعرض» ما تبقى من هيكليتها في تجاوز مثل هذه الظروف، فتجدهم وقد خصصوا عند كل فرن عدة عناصر أمنية، وكذلك الحال عند جمعيات توزيع المعونات ومحطات الوقود وكافة مؤسسات الدولة، إذ تتولى هذه العناصر مهمة تنظيم الدور، ومنع نشوب خلافات بين الواقفين –بل إن صح التعبير- يندسون بينهم لمنع حصول ما يخشونه نتيجة التجمهر الكبير، من تحول مثل هذه التجمعات إلى مظاهرات مناهضة للنظام.

وتتجلى الأولوية الرئيسية لهذه العناصر في تأمين مستلزمات المؤسسة العسكرية كاملة، حتى لو اضطر الأمر لمنع توزيع أي مخصص من هذه الموارد للمدنيين، فتجد على سبيل المثال أن مسربًا خاصًا عند كل مؤسسة خصص للعسكريين، حتى وصل الأمر إلى تقسيم الشوارع جميعها إلى قسمين، أحدهما للمدنيين، والآخر للعسكريين يمرون عبره دونما معاناة من اختناق السير، ودونما تفتيش دقيق كما الخط الآخر.

تقول السيدة أم سمير، النازحة إلى منطقة كفرسوسة، أنها وصلت إلى الفرن قبل أذان الفجر بساعة لتقف على الدور، وعند الثامنة صباحًا كان عدد الواقفين قد تجاوز مئتي امرأة ومئة رجل، كما بدأ عناصر الأمن وجيش النظام يتوافدون وبأعداد كبيرة ويأخذون الخبز وبكميات كبيرة، «ونحن نقف نتجرع الألم والبرد والمرارة»، لينفذ صبر أحد الواقفين فبدأ يتمتم بصوت خافت بأن هذا الوضع لا يطاق، فقام أحد العناصر بالصراخ آمرًا الناس بالابتعاد عن الفرن، ثم انهال على الرجل بالضرب والإهانات، وبالتهديد على البقية. واتصل بعدها «بالمعلم» وجاءت سيارة أمنية اقتادت الرجل إلى مكان مجهول في جو زاد من رهبة الواقفين.

تقول أم سمير أن العنصر أصبح بعدها ينظم الدور، ويطلب هويات الواقفين، ليجعل الأولوية لأهل المنطقة نفسها ويقف وراءهم النازحون بانتظار ما يتبقى من مخصصات. كما لم يفوّت العنصر فرصة استعراض «رجولته» أمام الصبايا الواقفات في الدور، فبدأ بشراء الخبز لهن بشكل مباشر، بينما يعبس بالبعض، ويلطم آخرين.

تكررت مثل هذه الحالة أكثر من مرة وفي أكثر من موقع، وتعرض عدد من الشبان للاعتقال في مثل ظروف الازدحام هذه، فيما وصل الحد بقوات النظام أحيانًا إلى إطلاق نار على الواقفين لتفريقهم، وهذا ما حصل في الشرطة العسكرية (القابون) مع السيدة أم خالد، التي ذهبت لتحصل على موافقة زيارة لابنها المعتقل في سجن صيدنايا. ونتيجة الازدحام الكبير، أمر الضابط المناوب أحد العناصر بإطلاق النار في الهواء لتفريق الناس، فأصيبت امرأتان وطفل، ومنعت قوات الأسد إسعافهم، فماتت إحداهن نتيجة النزيف المتواصل؛ وبقيت الأخرى والطفل غارقين بدمائهما، لإرهاب الواقفين.

وكذلك الأمر عند مفترق الطرق والمواقف العامة، أصبحت عناصر الأمن تتولى مهمة شرطي المرور، تنظم السير، وتمنع حركة من تشاء، وبالوقت الذي تشاء، تأخذ من بضاعة أحدهم، وتداعب ابن الآخر، وتغمز إحداهن، وتقطع أحد الطرق متى شاءت لتزيد الأزمة المرورية. ولم تسلم حتى أبواب المدارس والجامعات من هذه المضايقات التي يتعرض لها الطلبة، إذ بات الدخول إلى المدارس كالدخول إلى ثكنة عسكرية، يتطلب شبه موافقة أمنية.

وبالإضافة إلى زيادة التضييق على المدنيين، واستغلال الموارد المخصصة لهم لصالح العسكريين وقوى الأمن، وأصحاب البطاقات الأمنية، فإنه يتم من ناحية أخرى استغلال جهود الواقفين من المدنيين ريثما يأتي دورهم الطويل، لخدمة مصالح قوى الأمن، من خلال شراء مستلزماتهم وعلى نفقة من يتسلطون عليه، أو اختيار أحدهم ليدخل مفرزة الأمن ويقوم بتنظيفها وغسل الصحون والكؤوس؛ وأشخاص آخرون تم إيقافهم ليصلحوا سيارات العسكريين، أو يقطعوا أخشابًا لمدافئهم، ويد الضغط مسلطة على ذاك المدني الذي وقع الخيار عليه ضحية أمام الملأ، فإما يرضخ وإلا فغياهب السجون بانتظاره إن نطق بكلمة.

تابعنا على تويتر


Top