زيارات عائلية عبر الأثير

photo-copy.jpg

لمى الديراني

لم تكن أمل، 28 عامًا، لتتصور في حياتها أن عائلتها ستتحول إلى جهاز هاتف وكمبيوتر محمول، يصدر صوتًا يخبرها أن إشعارًا ما قد وصلها، تترك ما في يدها وتسرع نحوه، قد يكون أخاها أو أختها، إذ بات حلمًا وصول إشعار من أحد أفراد عائلتها النازحة في ريف دمشق دون كهرباء أو شبكة اتصالات لمدة تصل إلى أسابيع أحيانًا.

أمل التي أجبرتها الظروف الأمنية على ترك البلاد منذ عام تقريبًا لم تضع في حسبانها أن يطول الزمن كثيرًا وهي في واد وعائلتها في واد آخر. تنتظر بفارغ الصبر اتصالًا مع عائلتها عبر «الفايبر» لتعيش لحظات مع عائلتها بكل صخبها وحميميتها، تفتح مكبر الصوت وتستمع للجميع وتنهمر دموعها في صمت.

منذ عام تقريبًا تركت وليد، ستة أعوام، أول حفيد لعائلتها ولمّا يذهب إلى مدرسته بعد، كبر وليد وبات في صفه الأول وأنجبت أختها الصغرى فتاة لا تعرف عنها شيئًا سوى بعض الصور التي يرسلونها لها، كما أنجبت أختها الثانية طفلًا لم تره أمل ولم يره والده الذي اعتقل منذ أربعة أشهر، وتعرفت عليه هو الآخر من خلال صوره عبر «الواتس آب» وتتابعهما كل فترة، «كبرانين ما شاء الله» هي العبارة الوحيدة التي تستطيع أن تقولها في حق الحفيدين الجديدين، وهي تشتهي أن تضمهما ولو للحظات.

تتصل رنا، 32 عامًا، التي اضطرت لترك أطفالها في سوريا بعد ملاحقتها أمنيًا، بأختها عبر السكايب، تتحدث إلى طفلها الصغير ذو الثلاثة أعوام، تبكي بحرقة وتبكي من حولها، «يا ماما اشتقتلك يا عيون ماما» وطفلها يحاول من شاشته أن يخبرها أنه اشتاق لها كثيرًا وبأن «تيتي عم تضربني لما عم ابكي» ويبرر بكاءه بأنه اشتاق لها كثيرًا وبأن «تيتي ما عم تعرف تطبخ، أكلها مو طيب متل أكلك».

فاطمة، 26، عامًا، أجبرتها ظروف النزوح وضيق العيش للجوء إلى الأردن مع زوجها وطفليها، وتركت والدتها وحيدة هناك، فاطمة أنشأت مجموعة على «الواتس أب» لتجمعها مع أخواتها وبنات خالاتها للاطمئنان على أحوال بعضهم البعض، فكل واحدة منهن باتت في «ديرة» وأمل اللقاء يتلاشى شيئًا فشيئًا، وفي كل حديث يكتشفن أمرًا طرأ على العائلة منذ أسابيع ربما، يتخلل المحادثة: «دريتوا؟؟ فلان استشهد؟» لتتبعها عبارات الاستغراب والحزن، والشهيد قد مضى على استشهاده أسبوع على الأقل. قد تتخلل المحادثة الجماعية «يعليي أخدو زوجها لهالة من أسبوعين قال عنجد؟» أو ربما «شو سميتي بنتك سناء؟ الله يخليلك ياها». وما أكثر الأخبار التي تنزل كالصاعقة «نزل صاروخ وقتل ولاد خالك التنين دريتي؟» ليتفاجأ عدد من أقاربها بينما يصمت آخرون لأنهم علموا بالخبر من «التنسيقية» منذ أيام.

عائلات تكبر «عبر الأثير»، أطفال يولدون ويكبرون بالصور فقط، وأخبار الأصدقاء باتت «بايتة» لأن أحدًا لا يعلم بها إلا بعد فوات الأوان، لذا قررت نور 27 عامًا أن تنشئ مجموعة عبر «الواتس أب» لمجموعة صديقاتها اللواتي جمعتهن أيام وذكريات ونشاطات عندما كنّ في داريا، واستحال الزمن بينهن بلادًا، الصديقات اللواتي كنّ يقضين جلّ وقتهن مع بعضهن باتت تجمعهن «مجموعة محادثة» وبعض الحالات التي تكتب على «الفيسبوك» لا أكثر.

يرن هاتف أمل، تركض نحوه، رقم غريب.. إنها ابنة عمتها، استطاعت الحصول على رقمها من قريبتها منذ يومين، وأخيرًا تحدثت إليها وأخبرتها أن «زياد» أخوها خطب الحمدلله. «ألف مبروك بيكون أمك طاير عقلها» لترد بحرقة: «والله سكتي ماما مخنوقة وما عم توقف دموعها. ابنها وحيدها ما فرحت فيه ولا شافتو وهو عريس»، فوحيد أمها هرب بروحه إلى مصر بعد التضييقات الأمنية على سكان داريا النازحين منذ عام، قرر أن يخطب وكان محظوظًا جدًا أن رافقته خالته ووقفت بجانبه في فرحته تلك.

وهكذا استحالت حال السوريين إلى مجموعات افتراضية يتبادلون فيها أخبار بعضهم البعض، وباتت فناجين القهوة التي كانت تجمهم في الماضي في مكان واحد مجرد صورة لفنجان قهوة وبعض الجمل التي لطالما لا تصل في حينها بسبب ضعف الشبكة وانقطاع الكهرباء.

تابعنا على تويتر


Top