كرتونة المعونة بين لقمة عيش ولقمة كرامة

1604670_699363410085562_570753838_n.jpg

عنب بلدي – العدد 103 – الاثنين 10/2/2014

معوناتبيلسان عمر – عنب بلدي

تتبع النظم المستبدة سياسة التجويع لتفرض سيطرتها على الشعوب، وتجعل شغلهم الشاغل متعلق برغيف خبز وبضع لقيمات، وينحصر حلم الأم ما بين علبة حليب لرضيعها، وكيس حفاضات، وبذلك يضمن المستبد انشغال الأفراد بمتطلباتهم اليومية، وعدم التفكير إلا بكفاف يومهم، في وقت يحقق ما يصبو إليه، ويدوس مع كل لقيمة على ما بقي من كرامتهم.

ويضاف للمهجرين من ديارهم معاناة الوقوف ضمن طابور لا ينتهي على الجمعيات الموكل إليها مهمة توزيع المعونات من الهلال الأحمر، وتختلف آراء النازحين ما بين مشجع لتلك الجمعيات، وآخر يجد أن وجودها بحد ذاته أزمة، وتعطي للنظام فرصة جديدة لاستعباد السوريين وشرائهم بلقمة عيشهم، في حين ترى أخريات أن هذه المعونة من حق الشعب، طالما أن النظام لا جمل له بها ولا ناقة، وطالما أنها تأتيه دونما جهد من الدول الأخرى، ومن حق السوريين الطبيعي أن يطالبوا بها.

عزمت السيدة أم سامر، المهجرة حاليًا إلى منطقة اللوّان، ألا تقف على باب جمعية، التي تقول إنه لا يوجد في اللوان أي جمعية مخصصة لذلك، ومن أراد الحصول على معونة فعليه أن يذهب إلى كفرسوسة، ويسجل في إحدى جمعيتي الرازي أو الإحسان ويحضر معه أوراق ثبوتية، من دفتر عائلي، وبيان عائلي لتبيان المتزوجين من أفراد العائلة، ووثيقة براءة ذمة تؤكد عدم الانتساب للجمعية الأخرى، بالإضافة إلى عقد إيجار للمنزل المقيم به، «ولكم أن تتخيلوا كل ورقة كم تستهلك من الوقت لإحضارها، ناهيكم عن الطابور الذي علينا الوقوف به، والجدال الذي ينشب بين الواقفين مع مسؤولي الجمعية أو فيما بينهم، ويتم توزيع مواد غذائية فقط، وكل مرة ينقص وزن المواد ونوعيتها عن سابقتها، ولم يسبق لهم أن وزعوا رغم المطالب المتعددة موادًا أخرى غير غذائية».

 بينما تقول السيدة أم رامي، المهجرة إلى منطقة الطيبة، «منذ لحظة وصولنا إلى الطيبة، قام القائمون على رعاية شؤون المهجرين بتسجيل أسمائنا، ومكان استقرارنا الحالي، ليتم إحضار المعونات إلى البيت باسم الشخص، ووزعوا حرامات وطراريح وأدوات مطبخ لكل المهجرين، وطحين وتمر أكتر من مرة» وتضيف أم رامي «من حقنا نحن المهجرين هذه المواد، ألا يكفي أنهم أخرجونا من بيوتنا وقتلوا شبابنا، وسرقوا أغلى ما عندنا، مستكثرين علينا بضع كراتين»، فدأبت، كلما سمعت بجمعية، على الذهاب إليها والوقوف على الدور، حتى أصبح عندها غرفة مليئة بالمعونات كما تقول. وتضيف «لن أتردد بالمطالبة بحقنا أبدًا».

 بينما يبدي أبو سمير، المهجر إلى المنطقة الشرقية من داريا، انزعاجه بسبب صعوبة إيصال المعونة إلى المنزل، فمرة تذهب زوجته لإحضارها من صحنايا، ومرة من الكسوة، بينما في الفترة الأخيرة طلبوا منها أن تختار جمعية محددة تأخذ منها، ويقول إنه «طالما يقومون بختم دفتر العائلة بتاريخ أخذ المعونة، فلماذا هذا التدقيق الكبير، ولماذا يحددون مكان أخذ المعونة بجمعية واحدة».

أم خالد، نازحة أخرى، تقول «سمعت أنو في جمعية بالمزة بتوزع مصاري عالنازحين، ورحت جيب، وطلع أول يوم لازم وقف بالدور الطويل وآخد رقم، وتاني يوم وقف بدور أطول منه ويسجلوا لي الرقم اللي أخذته، ويحددوا لي موعد استلام المصاري، وتالت يوم بعد كذا شهر بروح بجيبهم، وصار لي 7 شهور مسجلة ولهلق ما وصل دوري» علمًا أن أم خالد مسجلة في جمعية عمار بن ياسر في البرامكة، وتحضر المعونة على دفتر العائلة، كما أنها سجلت في كنيسة ترعى شؤون المهجرين في صحنايا، كما سجلت أيضًا في القصر العدلي أن بيتها متضرر وأحضرت لهم الوثائق الثبوتية لذلك، وبعد ما دفعت «الترابية» وكل فواتير المياه والكهرباء والهاتف المستحقة على العقار، أعطوها تعويضًا لا يزيد عن 15 ألف ليرة عن كامل العام الماضي، فاضطرت إلى بيع الفائض من المعونات في أسواق دمشق الشعبية وعلى البسطات.

في حين رفضت السيدة أم وائل أن تأخذ أي كرتونة معونات، فهي بنظرها لقمة عيش مغموسة بكرامة مهدورة، يستخدمها النظام ورقة إضافية للضغط على السوريين واستعبادهم، وتقول «لا أجد حرجًا أن يأخذ المحتاجون بالفعل من هذه الجمعيات، ولكن أتمنى أن يأخذ كل واحد قدر حاجته، حتى لو تغيب عن دوره عدة أشهر مثلًا، فغالبية العوائل بقيت دونما معيل يتدبر شؤونها فهو إما معتقل أو شهيد أو مصاب أو محاصر أو مطلوب أمنيًا».

وينتهي المطاف بذاك الطارق لأبواب الجمعيات بـ «كرتونة» معونة مغموسة بهدر إضافي للكرامة، وبضع لقيمات لا تسمن ولا تغني من جوع ونزوح.

تابعنا على تويتر


Top