الديمقراطية نصف الطريق

عبد المحسن الملحم – مشاركة

عندما يجعل الإسلاميون مشروعهم السياسي في صدام مع انتصار الثورة فسيواجهون شعبَا من الليبراليين أو ما سيسمونهم كذلك.

وما أقوله هنا ليس دعوة للتخلي عن المشروع الإسلامي، بل دعوة لفهم الأولويات والخصوصيات. فالأولوية إن أردنا تفعيلها بشكل عملي هي انتصار الثورة على المشروع الفكري أولًا لينتصر على النظام ثانيًا،

والخصوصية السورية تقول بشدة أن متطلبات الانتصار تكمن مفاتيحها في فهم السياسة الدولية تجاه الثورة،

هنا لا يمكن للإسلاميين، وهم السواد الأكثر الفاعل، أن يتجاهلوا من أجل عقدة فكرية، كالديمقراطية وما يقال بأنها كفر حاروا بين وصفه بالأكبر أو الأصغر وحاروا بمن يقبل بها هل يكفرونه بالوصف أو بالعيان، أن يتجاهلوا واقع الثورة والإبادة التي باتت تسابق الأحداث، وهم الذين شكلوا أنفسهم من أجل حماية هذه الثورة ومن قام بها، وكانوا ويدركون ذلك بأنهم إفراز أفرزته الثورة التي بدأها الشعب، فخلافاتهم والمسافات المتروكة بينهم وبين الفصائل الأخرى والمعارضة السياسية جديرة بأن تنتهي حين يتطلعون جميعًا إلى أولوية إنهاء المأساة وثانوية المشروع الفكري والسياسي.

ودعوتهم للقبول بالديمقراطية لا كقناعة فكرية، وهي رابع المستحيلات اليوم ومن الممكنات غدًا في سجل المراجعات بعد أن يفوت الفوت كما حدث مع كثير من الجماعات والشخصيات في تجارب أخرى، دعوتهم للقبول بها كذلك كحل مرحلي إصلاحي طويل الأمد يمكنهم من خلاله دعم الحركة الإسلامية وتوسيع قاعدتها الشعبية لتكون قاعدة لمشروعهم الحلم، فحق لكل الفصائل أن تحلم وتخطط لما تريد، ولكن أولوية الانتصار الآني أولى من رومانسية الحلم والفكر والمشروع والطموح.

فالمطلوب منهم، كأولوية سابقة للعمل، هو فهم السياسة الدولية تجاه سوريا ودراسة الأسباب التي حولت المجتمع الدولي من محاصر للأسد إلى مضفٍ لشرعيته عليه، فالكل كان يرى في العام الأول من الثورة كيف كانت تصريحات الغرب النارية تتكلم عن بديهية فقدان النظام لشرعيته وعدم القبول بالأسد ولا نظامه كجزء من الحل.

يجب عليهم فهم النجاح الذي حقه قطب السياسة الروسي عن طريق جنيف1 حين تمكن من نقل النظام من حالة اللاشرعية واللااعتراف وفقدان السفارات والحصار الاقتصادي على الشركات والأموال، إلى شرعية النظام واعتباره جزء من الحل السياسي الذي يدمج القاتل بالمقتول، متناسيًا الجراحات والجرائم التي يحاسب عليها القانون والمواثيق الدولية التي باتت باعتبار المواطن العربي من نسج الحكواتي.

نجحت روسيا متحالفة مع الظروف من تحويل مفهوم الثورة لدى الغرب إلى مفهوم الحرب الأهلية التي لا يتم الحل بها بطرف دون الآخر، وبفعل هذه المتغيرات وفقدان المجتمع الدولي ثقته بالثورة والمعارضة وزيادة تخوفه منها يتحول النظام تدريجيًا من محاصَرٍ إلى محاصِر.

ففي منتصف 2012 كانت الثورة في أوج تقدمها العسكري والميداني ولكنها لم تنج من طعنة دبلوماسية أثرت على أدائها العسكري وأثقلت كاهلها، وبدأت عامها 2013 بخسارة المنطقة تلو الأخرى بالتوازي مع احتدام القتال وظهور داعش بشكل قوي ومريب ومساهمته الكبرى بالاقتتال بشكل اختراقي فظيع يخترق العاطفة الدينية أولًا ليخترق قواعد السيطرة ثانيًا ويخلخل مسار الثورة ويشق صفها. كل هذا الاستطراد هو استقراء للواقع الذي كان من المفترض أن يكون من عمل الفصائل الإسلامية التي تعنتت وتصلبت تجاه الديمقراطية وكأن الجدل البيزنطي فيها وفي هذا التوقيت أولوية.

عليهم استقراء تاريخ الثورة القريب بعمق، وقراءة التحولات والربط التحليلي بين التحركات السياسية ومؤثراتها على الميدان السوري بشكل دقيق، وفهم التغير الذي أصاب الموقف الدولي ومفاوضته على الأسباب التي جعلته ينتقل من موقف المتفرج المدين الذي يتحجج بجدار الفيتو الروسي، إلى راغب بحرف الثورة عن مسارها وراغب بإطلاق مفهوم الحرب الأهلية، معطيًا النظام شرعية البقاء وشرعية الحل السياسي التشاركي الذي يريد دمج القاتل بالمقتول.

واللغة المصلحية البراغماتية القائمة على المصالح والتوازنات هي أول وآخر ما نسعمه وسنسمعه من المجتمع الدولي، وكل الرومانسية باستجداء المبادئ والقيم في مستنقع السياسة.

فقبول الفصائل الإسلامية بالديمقراطية سيختصر نصف الطريق على الثورة، وسيخلص الثورة من أعباء الاستعراض الإعلامي الإسلامي الذي أوجس الغرب ودفعه إلى سحب المواقف والوعود التي كانت لمصلحة النظام، الذي عمل جاهدًا على نظرية حربه على الإرهاب وتخويفه من البديل، وذلك على لسان بشار الأسد لأحدى الصحف الغربية.

فالثورة مهددة بالحصار والتفكك، وما حدث في الفترة الأخيرة شاهد على ذلك، حيث لم ير المرحبين بتشكيل الجبهة الإسلامية الأُكل الذي كانوا يرجونه من تشكيلها، لا على المستوى السياسي ولا العسكري، حيث تخسر الثورة في أكثر من جبهة ويتراجع الموقف العسكري وينجح النظام بعقد الهدنة في أكثر من منطقة على أثر ما كان يفرضه من حصار قاتل على كثير من الأحياء في ريف دمشق وحمص القديمة، يضاف كل هذا على المكاسب السياسية التي يعمل للحصول عليها.

فالواقعية اليوم، والبعد عن الشعارات، هي أولوية الأولويات التي يجب أن يضعها الإسلاميون في الحسبان.

تابعنا على تويتر


Top