ثقافة بلا أسفار

.jpg

عنب بلدي – العدد 106 – الأحد 2/3/2014

ثقافةأويس الأسعد

دار بينهم حوار هادئ لم أكن في البداية لأفهم عموم فحواه، خاصة أنه أخذ طابع المناظرة، وكوني غير ملم بثقافة الحرية، فقد أصبح الحديث لديّ أعجميًا، وبعد أخذ ورد دار بين المتحاورين انتهى بقيامهم دون أن أفهم شيئًا، ثم سألت أحدهم: أرجوك يا أستاذ، لم أفهم شيئًا.

فأجابني بوقار وهدوء: «يا بني هذه ثقافة، والثقافة تحتاج إلى قراءة الشيء بشكل صحيح».

عاد إليّ كابوس الفهم مرة أخرى، إنها ثقافة، ولكني تعلمت أن كل العلوم تحتاج إلى دراسات ومراجع ومؤلفات، فأين أجد كلامهم في هذه الدواوين رغم أنهم أبناء جلدتي.

مرت الأيام ودار الزمن دورته. وعلى «بلكون» بيتي الصغير أرتشف القهوة الصباحية، وأستمتع بلفافتي الودودة والتي صاحبتني منذ أن مرضت بكابوس الثقافة إذ أخذت نصيبها من اللثم وآثرت دونما أن تسمح لغيرها بنصيب، وبينما أنا كذلك اخترق سمعي صوت ارتجت له الأرض، وزلزلت له العروش، انكفأ فنجاني وطارت لفافة التبغ من يدي وارتعدت فرائصي، فزعت من كرسيي الخشبي القديم، وارتطمت بزجاج الباب، أسرعت كالممسوس نحو «باب الزقاق» نزلت مسرعًا إلى الشارع أبحث عن مصدر الصوت الذي أحيا الأموات من رموسهم، ونفض غبار الدنيا، خلت أن بوق إسرافيل قد قال كلمته وأن الساعة قد قامت، لأجد نفسي في محشر الآخرة.

رأيت جميع الوجوه المتغضن منها والناعم، قرأت في كل مسامة من تلك الوجوه عبارة كاملة، وقرأت في وجه أستاذي عبارة من أربعة أحرف «حرية».

أدركت لحظتها أن الحرية لا تكتب بالأقلام ولا تدوّن بالأسفار، إنها كلمة ترويها الشعوب.

حروفها التي أضيئت من مداد الشرايين هي التي هزت عروش السلاطين، نعم إنهم أهلي الذين ترجموها بحناجرهم، إخوتي الذين رسموها ولونوا لوحتها من مداد قلوبهم.

اليوم فهمت طلاسم الحوار الذي دار منذ أمد بعيد على ألسنة المتناظرَين في مجلس انتهى دون اتفاق.

شلال هادر من الجموع المتداخلة في أزقة مدينتي هتفت بصوت واحد شق الأفق، وطيور من فلذات أكبادنا طارت إلى الفردوس يزفّ بعضها بعضًا.

عبد الواحد، في الربيع الحادي عشر من عمره، يحمل بقبضته الصغيرة وأنامله الدقيقة لافتة سطر عليها عبارة من معجم الحرية، وقميصه الثلجي ما زال في ذاكرتي ساعة انهمرت السماء بوابل من حقد الجلاد، وحبات الموت وشظايا الجحيم تطايرت لتسكت الحناجر المغرّدة، والموسيقا الدافئة التي هزت شياطين الهيمنة.

كان عبد الواحد أمامي حين احتضن إحدى تلك الشظايا الجهنمية، ليكتب على قميصه الثلجي بالأحمر أول رسالة من رسائل «سفر الحرية»..

ليلة هادئة لم يتخللها شائب، ولفافتي تلثم شفتي بحنان مطرب، وترسم في الأفق أحلامها، لم تنطفئ لحظة وهي تشاركني ذكريات ذلك الشلال الهادر، وشظايا الجحيم، وحمامة الحرية «عبد الواحد».

ليت الجوائز التي «نوبلوها» في أقبيتهم وتحت قباب مؤتمراتهم وفي محافل أفراحهم، لم توزع، بل ليتها بطاقات نعوات على أرواحهم الخبيثة.

قال لي حمزة: «لقد كسروا باب الزقاق، واقتحموا داري، فأفزعوا زوجتي التي كانت بقميص النوم، وكانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل حين دخلوا غرفة نومي، وقيدوا يدي بـ «الكلبشة» لأجد نفسي ووجهي باتجاه جدار غرفة الجلوس، بينما ظهري يلتهب من أسواط جلدهم، وصراخ زوجتي يعلو، وارتجاف حنجرتها يشق فؤادي، بينما تعمل أخامص بنادقهم بزجاج مكتبي، وضرام النار يستعر في جميع أرجائها، وفي مكان آخر من منزلي، سكت حمزة هنيهة ثم رفع رأسه وقد امتلأت وجنتاه بدموع بللت أسفل ذقنه، ثم حشرج صدره بعبارات متقطعة يتخللها بين الفينة والأخرى سكوت ثم اندفاع بركاني يخفي رغبة بالثأر، قال لي بصوت مرتفع: «تخيل يا أستاذي لقد اغتصبوها حين لم يجدوا غايتهم، وأمام ناظري، لأرى الحصان الرزان العفيفة تسقط في أذرع الخنازير النتنة التي لوثت كرامتي، ثم أطرق رأسه ونشيج الحزن يكاد يخنق أنفاسه البريئة، وكل جريمتي أنني «هزّاج المظاهرات».

مرة أخرى استأنست وكعادتي بصديقتي اللفافة التبغية التي رافقت ألمي وفرحي، وأشعلت رأسها بلهيب موقدتي التي تُضرم الرؤوس وتحرق الأفئدة.

خاطبتها: «أيتها المشتعلة دومًا هلا هتفتِ بالحرية؟» فأجابتني بصمت محرق فجّر الدماء في عروقي، وأخضب وقود شراييني، فاتّقدت ثورة السطور لتنادي «حرية للأبد».

وعادت ذاكرة الأيام إلى البعيد القريب، إنها حقًا ثقافة بلا أسفار.

تابعنا على تويتر


Top