الزواج في زمن الحرب

529620_292029157597803_1600778828_n.jpg

عنب بلدي – العدد 107 – الأحد 9/3/2014

أعراس داريابيلسان عمر- عنب بلدي

سادت مجتمعنا عادات مخصصة للزواج، تبدأ ببحث الشاب عن الفتاة التي يشترط بها الكثير من معايير الجمال والنسب والعمر والتحصيل العلمي، ثم رؤية الفتاة التي قد ترفض عددًا ممن يتقدمون لها لعدم وجود أرضية للتوافق بينهما، أو حتى أحيانًا بين أسرتيهما، مع دخول العامل المادي ودرجة الرفاهية دورها في هذا الموضوع؛ ويتفق الشاب مع أهل الفتاة لإتمام مراسم الخطوبة، ويعقد شيخ الحي قرانهما، ويتردد الخاطب لزيارة أهل خطيبته، في الوقت الذي يجهز فيه بيت الزوجية، إلى أن يحين موعد الزواج، فيعقد قرانهما في المحكمة الشرعية، ويحدد موعد العرس المغرق بالتكاليف الباهظة والترف، وتقام الأفراح ذاك اليوم، مع الولائم والأهازيج.

وإذ تختلف تفاصيل هذه الطقوس من بيئة لأخرى، تجدنا في هذه الأيام وقد اضطر المجتمع للتخلي عن الكثير منها، وأكثر ما بات يتردد اليوم هو عبارات تؤكد ضرورة استمرار الحياة وتدعو للزواج وتؤيده، من قبيل «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه»، و»الحياة بدها تستمر وبدنا نعوض عن اللي راحوا»، و»الزواج سنة الله في خلقه كي لا ينقطع النسل البشري»؛ وأخرى تستنكر الأمر في هذه الأيام العصيبة، وتدعو لانتظار أن تتحسن الظروف: «ما في بيت ولا مكان آمن … مو هلأ وقت جيب الأولاد»، «الواحد مو عارف وين يروح بحاله لسا ناقصه هم»، «البيت مسؤولية والتزام ومصروف، وهلأ يا دوب الواحد عم يلاقي أكل لحاله»، وبين هذا وذاك رافض تلزمه الظروف، وراغب تمنعه الأحوال: «يا ابني هلق نازحين سوا نحن وبيت عمك، ومن شان الحلال والحرام وتفوت وتطلع بأريحية»، «استشهد أخي ولازم أنا أتزوج زوجته وحافظ ع أولاده»… وغيرها الكثير الكثير.

يرى أبو سليم والذي نزح وعائلته من داريا مع أخيه وأولاد أخيه، أن زواج ابنه من ابنة أخيه حلًا لمشكلة الاختلاط في النزوح ومسألة «الحلال والحرام»، وتجنبًا لـ «حكي العالم»، بينما يدعو الشاب أباه للبحث عن حل آخر لمشكلة الاختلاط ويرفض هذا الزواج بحجة أن الوقت غير مناسب، وأنه ينتظر الحرب لتنتهي ثم يكمل حياته بعدها. فهو يرى نفسه كما كل شاب سوري، مهدد بأي لحظة بالاعتقال أو الموت، فهو لا يريد أن يترك خلفه زوجة في أول أيام صباها، أو مولودًا مهددًا أن يكبر بدون والده.

بينما يعتقد خالد أن الأزمة الحالية جاءت لتغير الكثير من مفاهيم مجتمعنا حول البذخ في حفلات الزفاف، وغلاء المهر، وتأمين البيت ومستلزماته. فاليوم كل ما تطمح إليه الفتاة –برأيه- شاب في زمن قل فيه الرجال بسبب آلة الحرب، ويقول «الشاطر اللي بلحق حاله وبيتزوج» فالأمر لا يتطلب «لا مهر ولا بيت ولا خطبة ولا هدايا ولا التزامات بفرش بيت وكسوته». أما حسن، صديق خالد، فيخالفه الرأي، «الواحد بحاله مو عارف وين يروح من القصف والدمار» والوقت ليس مناسبًا للالتزام بمسؤولية زوجة وأطفال، حسب قوله.

وغير بعيد عن مسامع مختلف شرائح المجتمع يأتي كلام كثير من المشايخ والمنظّرين وغيرهم كثر عن ضرورة تعدد الزوجات –دون أخذهم بعين الاعتبار شروط التعدد-، في ظل موت الكثير من الأزواج واستشهادهم في أيام الحرب هذه؛ ولسنا هنا بصدد مناقشة هذه الفكرة، ولكن ما يهمنا اتخاذ البعض هذه الظروف ذريعة لتحقيق ما تصبو إليه نفسه، دون أن نغض الطرف عن نوايا البعض الحسنة. فنجد هاني على مفترق طرق، بين واحد من كثيرين، يقف عاجزًا في الاختيار بين أن يكلل خطوبته بزواج من فتاة اختارها، وبين أن يكمل حياته مع زوجة أخيه الشهيد، ليحتضن أولاد أخيه، أو حتى بين أن يفعل الخيارين معًا.

وفي الوقت ذاته عزف أبو عماد عن تزويج بناته، فهو يرى أن بقاءهن بدون زواج يخفف عليه أعباء المرحلة القادمة، فإحدى بناته زوجها معتقل، والأخرى زوجها استشهد وكلتاهما «رجعت لعندي مع أولادها»، لذا قرر أن يؤجل تزويج بناته الأربع الأخريات «إلى أن تنتهي الحرب»، فحالهن عازبات «أخف عبئًا» عليه و»أحسن ما يصير فيهم متل أخواتهم لا قدر الله».

ومن جهة أخرى قرر رامي المحاصر في داريا الزواج لأنه وحيد أمه، ويريد أن ينجب أولادًا يحملون اسمه، ويكونون عونًا لجدتهم، ويتابعون طريقه في الجهاد. يقول رامي المرابط على جبهة القتال بأنه مؤمن بأن «الأعمار بيد الله … وبأي لحظة ممكن صير بعداد الشهداء» ولا يريد لأمه أن تبقى دون «ولد يذكرها بي».

وتبقى آلة الحرب تسلّط رمحها على أدق تفاصيل حياة المجتمع وعاداته، بين منتظر لانتهائها ليكمل حياته، وآخر قد تأقلم معها، وثالث وجدها حلًا أزاحت عنه الكثير من الأعباء وما عليه سوى استغلال هذه الفرصة بكل ما أوتي من قوة.

تابعنا على تويتر


Top