آل الأسد وتجارة الحروب

-بلدي-العدد-السابع-عشر-الأحد-27-أيار-2012.pdf-Page-1-image-6.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 17 – الأحد – 27-5-2012

     بذل الأسد منذ اندلاع الثورة السورية قصارى جهده لتفجير الوضع في سوريا وتحويل ثورة الشعب ضد نظامه الفاسد وضد الذل والعبودية إلى حرب أهلية تعصف بالبلاد وتحرق الأخضر واليابس وتحوّل الصراع من صراعٍ بين شعب ونظام جائر إلى اقتتال بين الأخوة في الوطن، فبدأ بزرع فتيل الأزمة هنا وهناك علّ بذورها تثمر حربًا طاحنة تفتك بالثورة والثوار وتقتلع فكرة الإطاحة بالحكم من جذورها وتدفع بالمجتمع الدولي، العاجز أصلاً، إلى الإيمان واليقين بأن الحراك الشعبي داخل سوريا ما هو إلا بوادر حرب أهلية ومن حق النظام إيقافها بأي ثمن «للحفاظ على البلاد».

لكن الشعب السوري أبدى وعيًا وفهمًا واسعين وكان أكبر من كافة مخططات الأسد وتمكن من تفنيد مؤامرة الأسد ضده وضد ثورته وأطاح بكافة ادعاءاته عرض الحائط عندما أصر الشعب السوري على الخروج هاتفًا بصوت عالٍ «إيد وحدة إيد وحدة» وهذا ما أثار غضب وحنق النظام.. وبذلك أفشل الشعب السوري خلال عام ونيف كافة محاولات الأسد وزبانيته لجر البلاد إلى حرب طائفية أرادوها قنبلة موقوتة لتفجير البلد.

وعندما وجد الأسد نفسه عاجزًا عن إشعال فتيل الاقتتال الطائفي في سوريا، وازداد شعوره بالعجز والضعف أمام الرأي العام العالمي، حاول إثبات قوته ووجوده للعالم من خلال تصدير الأزمة السورية إلى لبنان بعد أن جيّش العلويين في جبل محسن ضد السنة في التبانة، وبذلك اختار طرابلس مسرحًا لمؤامرته الجديدة لعدة عوامل منها أن أهلها جميعهم من السنّة الملتزمين ولأنهم دعموا الثورة السورية منذ انطلاقتها ومدوا يد العون للاجئين والجرحى ولأن مظاهرات النصرة للثورة السورية ضد السفاح كانت تخرج من هناك ولقربها من جبل محسن وسهولة تحريض العلويين فيه لإشعال فتيل الاقتتال الطائفي.

وقامت القوات اللبنانية بنشر الجيش للحد من اندلاع الأزمة والجدير بالذكر أنه تم إلقاء القبض على مسلح سوري وآخر فلسطيني كانا موقوفين لارتباطهما بملف اغتيال الحريري!! وزادت حدة الاحتقان الطائفي والسياسي في لبنان بعدما قامت مجموعة مسلحة في سوريا باختطاف لبنانيين في حلب عقب عودتهم من إيران واتهم النظام على الفور المعارضة لكن قادة الجيش الحر نفوا الاتهامات الموجهة إليهم وعملوا حثيثًا على تحرير المختطفين في الوقت الذي عملت فيه حكومة الأسد على تعطيل عملية الإفراج عنهم!!

ومع عودة المختطفين إلى لبنان، تحلحل الاحتقان الطائفي الذي عمّ بيروت وخاصة الضاحية الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية. وهنا تبرز أسئلة كبرى، من هو المستفيد الأكبر بل والوحيد من اختطاف مجموعة من اللبنانيين من الطائفة الشيعية وخلق احتقان طائفي في بيروت؟؟ أوليس من صالح النظام الذي بذل قصارى جهده في إشعال فتيل أزمة طائفية في طرابلس إلهاب الضاحية الجنوبية؟!!

ولمفاجأة الأسد، أظهر الشعب اللبناني وعيًا وإدراكًا للعبته التي أراد أن يجعل مسرحها لبنان ويتاجر بالدم اللبناني كما يتاجر بالدم السوري، وسارعت القيادات السياسية والدينية والاجتماعية إلى التخفيف من حدة الأزمة لأن اللبنانيين ملّوا من ألاعيب آل الأسد وذاقوا الويلات منها وهم يدركون جيدًا خطر شبح الحرب الأهلية التي أراد الأسد خلقها في لبنان، وعادت إلى ذاكرتهم الحرب الأهلية التي أشعل فتيلها الأسد الأب في منتصف السبعينيات فبعد أن دخل الأراضي اللبنانية بحجة حمايتها من «إسرائيل»، فجر فيها قنبلة الاقتتال الداخلي «الطائفي» وبدأ الأخوة يتقاتلون.. مذابح ومجازر باسم الدين والقتل على الهوية.. وبات اللبناني يخشى التوجه إلى أي مكان خوفًا من اكتشاف ميوله «الدينية» فيذبح ذبح الشاة ويرمى لتنهش الكلاب لحمه وعظامه. وتحول الاقتتال من اقتتال بين الأديان والطوائف إلى اقتتال بين أبناء الطائفة الواحدة والدين الواحد، وسالت أنهار الدماء حتى غاصت بها الركب وامتلأت الشوارع بالجثث، ويومها كان الأسد الأب، كما هو حال الأسد الابن اليوم، يحتسي كأس النشوة والانتصار على الدماء البريئة، وأعقب ذلك انهيار الاقتصاد اللبناني وتدمير البنية التحتية وهُجّر أبناؤه خوفًا على أرواحهم أو سعيًا وراء لقمة عيش حرموا من الحصول عليها على أرض وطنهم لأن حافظ الأسد تاجر بدمائهم وصعد على أكتافهم واحتل أرضهم دون أي مبرر إلا «حقن» الدم اللبناني الذي كان يسفكه هو بيديه، وعندما أراد الأسد الابن افتعال مسرحية مشابهة، استفاق اللبنانيون وصرخات الأمس تكاد تصمّ آذانهم فالمدنيون لا يريدون الحرب ولا يتمنون تكرار المأساة بالأصل فكانوا درعًا يقي بلادهم من شبح حرب تعيد لبنان إلى الحضيض وتعصف بوطنهم كما عصفت به في الماضي على يد آل الأسد.

تابعنا على تويتر


Top