الشنبليظة.. وجبة سورية بدون وصفة

.jpg

عنب بلدي – العدد 107 – الأحد 9/3/2014

شمبليظةعلاء شربجي

تأخر انتصار الثورة، وازدادت مآسي السوريين بين محاصر ونازح وشهيد ومعتقل، ومرّ الوقت متسارعًا بالأحداث والمشاهد الدموية، ما أفقد البعض منا قدرته على تحليل الأمور، ونتج عنه ظهور العديد من حالات التخوين والاتهامات بالتقصير، وأحيانًا أكثر من ذلك، وأصبحت الحياة اليومية لدى أغلبنا كــ «الشنبليظة».

قبل بضعة أيام، كتب أحد النشطاء على صفحته على الفيس بوك:

«نحنا شعب بحياة عمرنا ماعاد نعرف نعيش، يعني لا عارفين كيف كنا عايشين، ولا كيف نعيش حاليًا، ولا عنا أي تصوّر لكيفية العيشة مستقبًلا.. نحنا منعرف أشياء محددة متل: الغيبة، النميمة، التخوين، التكفير، الشماتة».

سأقف بما سأطرحه عند ظاهرة «التخوين» والتي اعتبرتها ناتجة عن عدة مشاكل، أبرزها العشوائية في الفهم والتكلم.

تتفشى اليوم بين السوريين –وبشكل غير مسبوق- ظاهرة الاتهام والتشكيك في كل من حولهم، ولأجل ذلك يستخدمون كل الصفات التي ذكرها الناشط في منشوره، وفي معظم الأحيان لا يملكون أي دليل أو إثبات على الشخص الذي يتهمونه، أو يشيرون بأصابع الشك نحوه، وعندما يلح أحدنا عليهم طالبًا الإثباتات والأدلة على ما يدعون، من الممكن جدًا أن يصبح هو الآخر متهمًا.

وهذا لا يعني أن جميع من يتهم الآخر هو كاذب، ما قصدته أن أولئك الأشخاص أغلبهم امتهنوا تلك الصفات في ظل مآسيهم بدون أن يكون لديهم أي إثباتات أو أدلة على ما يقولون. وقد يكون أحد الأسباب التي دفعتهم للتكلم موجهين أصابع الاتهام للآخر في أحاديثهم هي الملل، أو الفراغ، أو ضعف الشخصية وشعورهم بهامشية دورهم في الثورة.

«ما في معارض شريف» هذا ما قاله أحد النشطاء المعروف بعمله الجيد بالثورة بمدينته دوما في سهرة نميمة وتخوين في أحد المقاهي بمصر.

وسيم، نسي للحظات أنه من المعارضة حين سأله متعجبًا أحد الموجودين في تلك السهرة: عم تشتم حالك وتشتمنا يعني لك أجدب! ليكتفي بعدها وسيم بالصمت وتبرير ما قاله بأنه مجرد مزاح.

هذا يعني أنه لم يعِ ما نطق به حينها وكان يتحدث بعفوية «الشنبليظة».

سامر، ناشط آخر، اتهم صديقه وابن مدينته «بالسارق والمتسلق على الثورة» لأن صديقه كان في بلدته فلاحًا، وكان يعيش «خلف البقر» كما وصفه؛ وسبب التهمة التي أطلقها عليه هو أن حال صديقه المادية كانت قبل الثورة ضعيفة، فكيف به اليوم يعيش في اسطنبول ويعمل في إحدى المؤسسات الثورية، «أكيد حرامي» يقول سامر.

وإذا بحثتم في كل المعاجم والمراجع لن تجدوا ما هو معنى كلمة «شنبليظة»

ولكني سأحكي لكم قصتها..

قبل خمسة عشر عامًا، عندما كنت صغيرًا، كنت أقضي أكثر وقتي مع أعمامي في منزل جدي، أحد أعمامي كانت «الشنبليظة» وجبته المفضلة، والتي تتكون من بيضات مسلوقة ومعها مكدوس «مفعوس» والقليل من البصل والبندورة، وفوقهم القليل من الزيت مع رشاتٍ من الفلفل والبهارات والملح. رغم كوني صغيرًا ولست على قدر كاف من الوعي حينها، لكنني كنت أستغرب من مكونات تلك الوجبة، فلا طعمها استسغته ولا شكلها أعجبني ولا مقاديرها أقنعتني، مما دفعني لأن أسأله عن اسم هذه الأكلة، فتأملها للحظة، ثم قال لي» «شنبليظة».

و «الشنبليظة» كانت فعليًا أي شيء يمكن خلطه من موجودات المطبخ بطريقة غير واعية لأكله وإسكات غريزة الجوع في اللحظات التي كانت تغيب فيها وجبة الأم المنظمة وطبختها متوازنة المقادير.

الشنبليظة قد تصبح فيما بعد أسلوب حياة يدافع عنها صانعها، وتدفعه للتشكيك في قدرة الآخرين على الطبخ.

تابعنا على تويتر


Top