أصلي ولا تقليد … كن من شئت، وآمن بما شئت، لكن كن نفسك

023441c4a4.jpg

عنب بلدي – العدد 108 ـ الأحد 16/3/2014

023441c4a4حنين النقري

إنّ تكوين قناعة ما وتبنّي وجهة نظر معينة هو أمر نقوم به جميعًا، لكننا نختلف في أدواته ووسائله، وسرعة حدوث ذلك أو بطئه.. مدى تعمّقنا وبحثنا في حيثيات الأمور أو الحصول عليها بشكل جاهز كما الوجبات السريعة.

يقول ابن حزم الأندلسي في هذا «أسرع الأشياء نموًا أسرعها فناءً، وأبطؤها حدوثًا أبطؤها نفاذًا، وما دخل عسيرًا لا يخرج يسيرًا».

ولعلّنا إذ نطوي عامًا ثالثًا من عمر الثورة، نرى هذا الأمر واضحًا صريحًا أمامنا كما لم نره يومًا، فالمرحلة التي نمرّ بها اليوم عسيرة صعبة مليئة بالتحديات الفكرية والنفسية، فيها من الأخطاء والخفايا والخبايا والمنزلقات الفكرية ما يجعل الكثيرين ممن ناصروا الثورة في بداياتها يبدون تململًا وتشكيكًا في صوابية «الثورة» كمفهوم، ومدى استحقاق الشعب لنيل «حريته» ومعنى الحرية أساسًا.

أمر نراه يوميًّا، ممن يعيشون ظروفًا معيشية قاسية تحت رزء الحصار، فتختلط عندهم الأمور ويحمّلون الثورة والنظام معًا المسؤولية كلها، متمنين العودة لما كان عليه الحال، و»يا دار ما دخلك شر»!

ولست أريد في كلامي الدفاع عن «الثورة» كمفهوم، أو التمييز بين المصطلح وتطبيقه، بين صحّة الحقّ في الحصول على الحرية وبين أخطاء من طبّقوه، لكن ما أريد الإشارة إليه هو طريقة اقتناعنا وتبنينا لوجهات نظر معينة، ومدى تعبير هذه الوجهات عن ذواتنا أو انصياعنا فيها للعقل الجمعي، ﻷن «الأمة لا تجتمع على ضلالة».

القول الذي أوردناه في بداية المقالة لابن حزم الأندلسي يندرج في كافة أمور الحياة، في التعليم والزواج والمعتقد الديني والموروث الاجتماعي والتربية والثورة أيضًا، وهو في الحقيقة الفيصل بين شخصياتنا وقناعاتنا كبشر، ومدى قوة مواقفنا وثباتنا عليها، أو تراجعنا عنها في أول مطبّ.

يسهل عليك بالتأكيد أن تتبنى وجهة نظر غيرك، أن تكون مقلّدا هو أمر أكثر سهولة من أن تعمل عقلك وتبحث عن الحقيقة بذاتك، لكنّ كونك مقلّدًا تردد ما يقولون دون وعي منك لا يمنحك -كأصحاب الرأي الأصلاء- القدرة على مواجهة المصاعب التي ستتخلل طريقك كاختبار لفكرك.

اعتدنا أن يلقننا أحدهم ما نقول، منذ الطفولة ثم في المدرسة والجامعة، وبعدها عن طريق العادات الاجتماعية، ومارست السلطات القمعية دورها ببراعة في جعلنا نبقي عقولنا جانبًا و»نمشي الحيط الحيط ونقول يارب السترة».

لا مكان ﻹعمال عقلك وجمع الحقائق وتكوين رأيك الخاص بمعزل عن السرب، لا مكان ﻷي عقل مفكر، فقط ببغاوات تردد وتكرر..

لهذا، ونتيجة لهذه البرمجة الاجتماعية والسياسية الطويلة، فإننا حتى في الثورة -والتي هي أمّ التمرّد الفكري والحرية الفكرية- نرى مقلّدين تبنّوا مواقف سواهم نتيجة النخوة أو الحمية أو التأثر العاطفي بهتافات المتظاهرين الأوائل، ونرى مقلّدين حملوا السلاح دون وعي لماذا ومن أجل ماذا..

ونرى أيضًا أن الجانب المقابل (المؤيدين للنظام) يحوي ذات الصبغة الببغائية، فلا تجد بينهم -إلا نادرًا- رجل رشيد يكوّن رأيًا مبنيًا على حقائق ومعلومات وآراء شخصية لا حزبية، ولا نرى شخصًا قادرًا على التفريق بين مناصرته للنظام وانتقاده له في أخطائه والاعتراف بمجازره والمؤازرة للإنسانية في الجانب المقابل.

وحدهم من ذاقوا مرارة الظلم طيلة عقود، واشتاقوا لهواء الحريّة وقرأوا طويلًا في مفهومها وحقوق الشعوب، سيؤمنون بالثورة بعد طول تفكير واقتناع رغم خطورة المبدأ، ووحده من يؤمن بشكل ذاتي، يكون قادرًا على فهم المطبات والتحديات الفكرية وتجاوزها، التفريق بين أخطاء التطبيق وصحة المبدأ..

كن من شئت، وآمن بما شئت، لكن كن نفسك!

تابعنا على تويتر


Top