الثورة السورية.. أزمة أخلاق وسُلطة مشوهة

معتز مراد

الإسلام هو خاتم الأديان، والقرآن يحتوي العشرات من النصوص التي تعزّز القيم الأخلاقية والمبادئ العليا. والنبي قال بحديثه المشهور: إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق. ناهيك أيضًا عن مئات النصوص الأخرى التي تدعو للصدق والأمانة والوفاء بالعهد والإخلاص وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. والنبي سُمي بالصادق الأمين خلال سنوات كثيرة قبل أن تُنزّل عليه الرسالة، وهي الصفات التي ساعدته على القيام بأعباء الرسالة والصمود أمام عداء قومه الرافضين لرسالته. ويَشهدُ على ذلك ألدُّ أعدائه قائلًا: والله ما شهدنا عليه كذبًا قط. ولكن ما الذي حدث حتى وصلت الحالة بالواقع الثوري، الذي يشكّل المسلمون غالبيته العظمى، إلى هذه الدرجة الحرجة التي تعبر عن أزمة كبيرة على مستوى القيم والأخلاق.

ففي الوقت الذي باتت ترفرف الرايات ذات الطابع الإسلامي على معظم التراب السوري، تجد الكثير من حاملي تلك الرايات قد انفصلوا عن مبادئ دينهم وأخلاقه السامية وقيمه العزيزة. فالغدر والكذب والخيانة وقلة الأمانة والاستغلال وتغليب حب الذات على المصلحة العامة هي الصفات السائدة بين الثوار، مما جعل واقع الثورة مريرًا غير قادرٍ على جذب الناس، بل بالأحرى طاردًا لكل جهد وعمل مخلص يضع مستقبل سوريا فوق كل اعتبار. فلماذا انحرف الثوار (مسلحين وغير مسلحين) هذا الانحراف الخطير وانفصلوا عن أهم مقومات دينهم ومبادئه.

يقول أحد المفكرين العرب: لم تدخل السلطة على فكر إلا وشوهته. حصل ذلك مع المسيحية حيث تحولت إلى محاكم تفتيش في القرون الوسطى، وحصل مع الشيوعية حيث تحولت إلى حكم الحزب الواحد ومعسكرات الاعتقال. وعندما حكمت اليهودية في فلسطين تمخضت عن أسوأ شكل من أشكال الدولة الحديثة، رغم أن مواطنيها قد عاشوا في الدول الأكثر تطورًا في العالم. وقد دخلت فكرة السلطة في أساس كل تشكيل عسكري وثوري في سوريا (إلا من رحم ربي)، السلطة التي تعني المال والقوة والسلاح والسمعة والإعلام، وكل تلك الأجزاء جعلت من عبارات وشعارات دينية محسوبة على دين الإسلام سلعة تُباع وتشترى من أجل الدعم والمحسوبيات وزيادة القوة وبناء النفوذ. وللأسف فقد تم الاستفادة من أكثر جوانب السلطة فسادًا وتخريبًا، فالأنا المرضية وحب الذات والغدر والخيانة كانت هي العناوين والممارسات الواضحة لمن يريد ممارسة السلطة. وهي التي أدت إلى تشويه الشعارات الكبيرة التي تم رفعها، وتشكيل حاجز نفسي مع كل عبارة مرفوعة، مع أنه يجب أن يكون ذلك الموقف مع حاملي تلك الشعارات لا مع فكرة العبارات نفسها، ولكن غالبًا لا تفصل النفس البشرية بين العبارة وقائلها، فالقناعة المتزايدة عند الجمهور الثوري تتزايد لصالح أن العبرة بالأفعال لا بالأقوال، وقد راجت تلك اللافتة التي رفعها الثوار وكُتب عليها: ممنوع اختباء اللصوص والمجرمين خلف عبارة لا إله إلا الله.

لقد استفادت البشرية من التجربة الإنسانية وطورتها في مجال السلطة، فالتعددية السياسية وتداول الحكم واحترام حقوق الإنسان لم تأتي من فراغ، بل كانت نتيجة مخاض إنساني-سياسي عسير وطويل، كان ثمنه جثث ملايين البشر من كل الأجناس والأعراق والأديان. ولكن حتى الانجازات السياسية هذه يتم التعامل معها في الثورة السورية بعد ثلاثة أعوام بشكل فوضوي وبعيد عن الخبرة اللازمة. فتداول السلطة أصبح يعني تغيير المنصب كل عدة أشهر، وكلنا يعلم أنّه لا إنجاز ممكن تحقيقه خلال تلك الفترة البسيطة. والتعددية السياسية أصبحت تعني أن يقوم كل عدة أشخاص بتشكيل ثوري أو عسكري أو سياسي ولو لم يكن له أي رصيد في الشارع. واحترام حقوق الإنسان باتت تعني السماح لكل رأي مدمّر وسلوك مُفتِّت ضمن المجتمع بالانتشار وحرية الحركة. مع أن هذه الأمور مرفوضة حتى في المجتمعات الأكثر تطورًا.

إنّه من القطعي لدينا، أنّ سياسة النظام في قتل وسجن وتهجير الشباب اللامعين والطبقة السياسية (رغم صغرها في سوريا) كان لها دور كبير في تفريغ الساحة بشكل كبير ممن يحمل المبادئ قولًا وفعلًا والنتيجة التي وصلنا إليها اليوم، ولكن هل من المعقول أن تستمر الحالة على ماهي عليه، أم أنّ هناك مصلحة عليا تجاه الشعب السوري يجب أخذها بعين الاعتبار، ووقفة ضرورية للجميع أمام الله وأمام الناس، يكون عنوانها العريض تغليب المصلحة السورية العليا على المصالح الشخصية الضيقة والأنا وحب الذات. وأساسًا العودة إلى أخلاق ديننا الحنيف قولًا وعملًا في مختلف المجالات وعلى كل المستويات (السياسية والاجتماعية والعسكرية).

تابعنا على تويتر


Top