قراءة في كتاب: قصّة الحريّة، بين النص القرآني والتطبيق التاريخي للإسلام

10151022_10202128106259108_43134719_n-copy.jpg

عنب بلدي – العدد 109 ـ الأحد 23/3/2014

10151022_10202128106259108_43134719_n copyجنان أسامي – طالبة ماجستير في الفكر الإسلامي المعاصر

بعد ثلاث سنوات من انطلاق الربيع العربي يُطرح سؤال الحرية أكثر من أي وقت مضى، فإن كان هذا الربيع العربي قد قام ضد الاستبداد في بداياته، إلا أنه يفرز اليوم مكونات وممارسات دينية لا تقبل فكرة الحرية بل تناهضها، ليصبح السؤال الملح اليوم عن مكانة الحرية في الإسلام، وعن سبب عجز الثقافة الإسلامية عن بلورة مفهومها في الحرية وتطبيقه.

أصدر مركز دراسات الجمهورية الديموقراطية الأسبوع الفائت كتابًا بعنوان قصّة الحريّة بين النص القرآني، والتطبيق التاريخي للإسلام» للكاتب عماد العبار. الكاتب طبيب سوري، مقيم في فرنسا، من مواليد مدينة داريا 1978. وهو أحد الأعضاء المؤسّسين في مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية، وباحث مهتم بإعادة قراءة النص الديني في ضوء الواقع، وبقضايا التغيير الاجتماعي، ومسألة الحريّة واللاإكراه من منظور إسلامي. وقد كتب العديد من المقالات الفكريّة والسياسيّة المنشورة في صحف ومواقع إلكترونية عديدة.

يقارب الكتاب مفهوم الحرية مقاربة تاريخية نقدية، لتعقب المواضع التي انتكس فيها المفهوم فكرًا وممارسة. كما يعالج العديد من الأفكار السائدة في الفكرة والإشكاليات.

في الجانب التاريخي أقر الكاتب الحرية كإنجاز غربي على صعيدين: الأول، في القضاء على العبودية، والثاني في إرساء الحريات العامة، ثم تناول سبب قصور الحضارة الإسلامية في كلتا الحالتين، بالرغم من أن هذه الحضارة قامت على نص يجعل من الحريّة القيمة الأعلى، وهو ما يوضّحه الكاتب في الفصل الثاني من الكتاب.

ففي الأولى بين عجز الحضارة الإسلامية عن وضع حد لممارسة العبودية على الرغم من تشوف الإسلام بالحرية. فتكريس الاستبداد والحروب وجمود النص والبعد عن مقاصده لم يسمح بوصول الأمر إلى منتهاه، حتى جاء الخلاص من حضارة أخرى هي الغرب، وكان الأولى أن يكون للإسلام الفضل في إنهائها. وفي الثانية اعتبر أن الفتنة الكبرى التي نتج عنها إرساء الملك العضوض بداية لانحسار فكرة الحرية، فهي الفترة التي قلبت الكثير من المفاهيم، وأسست للعقل السياسي السلطوي وأرست الفكر الجبري، وترافقت بظهور المذاهب الفكرية والسياسية المتعارضة كالحركات الباطنية، والخوارج والمعتزلة وكل ما نتج عن ذلك من التكفير واستباحة الدم واستخدام النص الديني وعلومه لمآرب سياسية، مما أدى إلى ضياع فكرة الحرية من عقول جميع الأطراف.

في الجانب التأصيلي يتتبع الكتاب جذور الحرية في القرآن الكريم، حيث يؤسس لها مشهد الخلق الأول، وما فيه من مفاهيم الاستخلاف والعلم والمسؤولية. وعالج الكاتب من خلاله إشكاليات مهمة كالخوف من الوقوع في الخطأ، فأثبت القرآن وقوع آدم وإبليس في الخطأ دون أن يطعن في مشروعية الحرية أو يقلل من قيمتها، بل اعتبر الخطأ طريقًا للوصول إلى الصواب. كذلك تعرض لمشروعية البحث وطرح الأسئلة ومواجهة التحديات الفكرية والإيمانية دون خوف حتى الوصول للاطمئنان، وذلك من خلال تناوله لشك إبراهيم في معرض حديثه عن آية «لا إكراه» في سياقها القرآني. اليوم في زمن التحولات الكبرى تعصف بالكثير من المسلمين الشكوك والأسئلة، عن التاريخ والدين والمسلمات، وأثر كل ذلك فيما وصلنا إليه اليوم، ولا مناص من طرح كل هذه التساؤلات على طاولة البحث، والاجتهاد في الوصول لأجوبة شافية.

لعل الحلقة الأضعف في نظري كانت في القسم الأخير المتعلق بالردة، وهي العقبة الكأداء في موضوع الحرية. فلم يثبت للردة حد في القرآن الكريم، وإنما استند في تشريعه على الروايات والأحاديث المنسوبة للرسول (ص). بعض الخطوط العريضة في منهجية الحكم على صحة الحديث الشريف، وطرق الاستنباط منه، كانت ستدعم فكرة الكاتب عند معالجته للأحاديث الواردة في حد الردة وتفنيدها كما فعل حين فصّل في مسألة الناسخ والمنسوخ والروايات التي تخص الذين أمر بقتلهم يوم الفتح. فصحة السند قد لا تعني دائمًا صحة المتن، ولا توجد سنة صحيحة صريحة تعارض القرآن الكريم، وما وجد من ذلك فلا بد أن يؤول بما يتفق مع القرآن، لأن القرآن هو الأصل، والفرع لا يخالف أصله. ما زال التيار المؤيد لحد الردة هو التيار السائد، والكاتب يخاطب قارئًا متوجسًا في كثير من الأحيان، يتهيب المس بالثوابت التي اعتادها وتشربها كمسلمات، ومن هنا تبرز ضرورة عدم التردد في الشرح وتكرار الشرح.

تناول الكاتب أفكار أخرى تستحق أن تذكر، في المرأة، والتربية، وقصور منهجية الفكر الإسلامي في النقد الذاتي وغيرها. إلا أن أهمية الكتاب تكمن في طرحه للكثير من الأفكار للنقاش والبحث والمراجعة، ومن المؤكد أن موضوع الحرية لن يمكنه الانطلاق إلا بجناحي النقد والتأصيل معًا، ومن داخل ثقافتنا ومن خلالها.

تابعنا على تويتر


Top