تهافت رواية السفير الأميركي فورد

معتز مراد

بعد ثلاثين عامًا من خدمته في السلك الدبلوماسي، يتقاعد السفير الأميركي لدى سوريا روبرت فورد، تاركًا المجال لخَلَفِه السيد دانيال روبستاين. وفي لقاء مع صحيفة الشرق الأوسط تحدث فورد عن الملف السوري وإحباطه من نتائج مؤتمر جنيف، وركز على قضية الحفاظ على كرامة كل السوريين التي يجب على المعارضة تبنيها بشكل أكثر وضوحًا. ولكنّ السيد فورد ابتعد عن إلقاء اللائمة على الولايات المتحدة الأميركية في ما آلت إليه الأزمة السورية. وقد كانت روايته ونظرته للملف السوري متهافتة وبحاجة إلى كثير من النقد والتوضيح. وسنبين بعض جوانب ضعف تلك الرواية فيما يلي:

يقول السيد فورد بعد سؤاله عن سبب استقالته وفيما إذا كان السبب هو سياسة بلاده تجاه سوريا، وهل لديه نصائح يوجهها للإدارة الأمريكية: «أعتقد أننا وصلنا إلى منعطف مهم مع الذكرى الثالثة (للانتفاضة) والنهاية لا تزال غير واضحة، وبالتالي أعتقد أن هناك فائدة من جلب أناس جدد وأفكار جديدة لمعالجة هذه القضية … الأمر الأخير الذي قلته لزملائي هو أنه لا يمكن لنا أن نعمل بمفردنا في هذه المنطقة. لدينا أصدقاء ولديهم مصالح أيضًا. فأيّ إجراءات أمريكية يجب أن تكون بناءً على العمل مع الشركاء في المنطقة».

يعترف السفير الأميركي بعجزه ولكن بشكل غير مباشر عندما يتحدث عن ضرورة طرح أفكار جديدة لمعالجة القضية، وهو صاحب الخبرة الطويلة في العمل السياسي (في هذه المنطقة خصوصًا). فقد عمل في العراق ولبنان قبل سوريا. وسبب هذا العجز كما يراه الكثيرون هو المهزلة السياسية التي يتم التعامل فيها مع الملف السوري وكأنه فرق عملة على المستوى الدولي. وعندما نقول مهزلة سياسية فلأن قوتَين عالميتَين استأثرتا بالحل السوري وأبعدتا باقي القوى الفاعلة. هاتان القوتان هما الولايات المتحدة وروسيا. الأولى وضعت مفاتيح الحل جميعها عند الثانية (التي تعتبر حليف النظام الاستراتيجي).

وعندما يتحدث فورد عن كون بلاده لا يمكنها أن تعمل بشكل منفرد. فكيف نسيَ كم ضغطت القوى الإقليمية على الإدارة الأمريكية لتتحرك بشكل أكثر فاعلية في سبيل إنهاء المأساة السورية. وكلنا يتذكر إحباط رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من لا مبالاة باراك أوباما في زيارته الرسمية إلى أمريكا. وكذلك أزمة الثقة التي بدأت تنشأ منذ شهور بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية (وهما حليفا النفط والدولار) بسبب سياسة أوباما تجاه الملف السوري وتقاربه مع إيران من دون التنسيق مع القيادة السعودية. أيضًا لن ننسى إحباط فرنسا وبريطانيا من تلك السياسة المتبعة. كل ذلك ونحن لا نتحدث عن التدخل العسكري بل نتحدث عن موقف أمريكي جاد تجاه الأزمة السورية. والحقيقة أن تلك السياسة هي التي لجمت مجموعة أصدقاء سوريا الأساسيين في التوجه نحو دعم قضية الشعب السوري بشكل أكثر جدّية، كون أمريكا هي القوة العظمى في العالم ولا يمكن تجاوزها.

يتابع السفير الأمريكي قائلًا: «هذه أحد الدروس التي كان علينا تعلمها من تجربة العراق. عليك العمل ضمن جهد موسع، يمكننا أن نقود الجهود ولكن يجب ألاّ تكون جهودنا فردية».

عن أي عراقٍ يتحدث السيد فورد؟! ولماذا لا يُقارِن الأزمة السورية بأزمة البوسنة والهرسك، وهي الأجدر بأن يتم المقارنة بها لكثرة أوجه الشبه بين الحالتين. ومن طلب من أمريكا أن تقود الجهود العسكرية البرية كما حصل في العراق؟! لا أحد يطلب ذلك (لا الشعب السوري ولا الدول الصديقة الضاغطة). كان الطلب دومًا أشبه بحظر جوي أو فتح ممرات آمنة ومنع الطائرات التابعة للنظام السوري من الاستمرار في قصف المدنيين والمدن الآهلة بالسكان. وإيقاف جحيم البراميل المتفجرة التي تحصد الناس بالجملة. هل كان يتوقع السفير الأمريكي أن يجلس الرئيس الصربي سلوبودان ميلوزوفتش على طاولة مفاوضات واحدة مع الرئيس البوسني علي عزت بيغوفتش لو لم تكن قوات الناتو تقصف دفاعات الصرب يومها. وهل نحتاج لعدة سنوات إضافية حتى يقتنع البيت الأبيض أنّ لا رغبة حقيقية بأي حل سياسي عند نظام الأسد يؤدي إلى تغيير رأسه أو بنيته الأمنية.

ويختم السيد فورد إجابته عن هذا السؤال: «إذا كانت حكومات أخرى ترى أننا لسنا ملتزمين، أو أننا لا نتواصل على نحو كافٍ، فأعتقد أن هذا يقع على عاتقي وأنا أتحمل هذه المسؤولية».

وهل يتحمل السفير في دولة ما تبعات أزمة معينة عندما تنعدم النية عند حكومة بلاده بعمل شيء حقيقي. مع أن غالب القادة ورؤساء الدول الراغبة بتدخل فاعل في سوريا كانوا بمثابة سفراء إلى أمريكا وروسيا يطلبون منها ما يجب فعله. وعلى السيد فورد ألا يخشى من تحميل المسؤولية بشكل كبير لرئيس بلاده باراك أوباما.

وللأسف، فمنذ اللحظة التي خرجت فيها الثورة السورية عن سلميّتها، أصبحت رهينة للدول والجهات الداعمة لها بالسلاح والمال. وكان أحد أسباب هذا التحول الكبير في شكل الثورة كونها تعيش في نظام عالمي ظالم وساقط أخلاقيًا. تآمر فيه محور كامل ضد الثورة السورية بزعامة موسكو، معتمدين فيه على منظومة العلاقات الدولية وعلى رأسها حق النقض الفيتو.

يتبع …

تابعنا على تويتر


Top