هنا دمشق.. «الواحد بيستأذن ع الحاجز»

-دمشق.jpg

أربعون دقيقة من الانتظار في الباص ضمن رتل السيارات عند حاجز عسكري للنظام وسط دمشق، حيث المسافة تستغرق مشيًا أقل من خمس دقائق. الوقت قرابة الظهيرة والرصيف يعج بالمشاة، بعضهم بدا من طلاب الجامعات حقائبهم على أكتافهم، أو كتبتهم التي بأيديهم، وآخرون أكبر سنًا يبدو أنهم موظفون، والمشترك بين معظمهم خطاهم المتثاقلة، ووجوههم التي أعيتها الهموم، واحتضانهم لربطة خبز.

داخل السرفيس، تأفف وتنهدات من الركاب والسائق الذي نفذت علبة سجائره دون أن ينتبه أن السيجارة المحترقة في يده كانت الأخيرة، ليتمتم لاعنًا حظه السيء؛ فقد تجاوز للتو بائع الدخان الواقف على رصيف جسر الرئيس وسط المدينة قبل أمتار قليلة، ولن يصل البسطة التالية قبل عشر دقائق إذا استمر الزحام على حاله. يعطي السائق العلبة الفارغة للراكب المجاور له، ويطلب منه أن يلوح بها مرارًا علّ الشاب بائع الدخان ينتبه، لكن دون جدوى.

أمتار قليلة، ودقائق أكثر يصل بعدها السرفيس إلى بسطة الدخان التالية، يشتري السائق دخانه ويتبادل مع البائع حديثًا مقتضبًا عن الزحمة الخانقة، وهمّ «سفرة» العودة التي ستكون «بعز دين الضهر»، ومن ثم يتابع سيره بطيئًا، فيما يتوالى صعود الركاب واحدًا تلو الآخر، ويبدو أن معظمهم اختاروا قطع المسافة السابقة مشيًا لتوفير الوقت.

تمتلئ مقاعد الباص وأربع سيارات تفصل بين السرفيس والحاجز، ليقفز شاب ويجلس القرفصاء في المساحة المتبقية في جانب السرفيس، وبعد دقائق، وقد تبقى سيارتان ليصل الباص إلى الحاجز، يحذو شاب آخر يرتدي قميصًا أخضر حذوه، فيما يكتم الجميع تنهداتهم وتأففهم؛ منهم من يعدل جلسته، ومنهم من يخفي هاتفه النقال وسماعات الأذنين، ويجهز الجميع هوياتهم.

يصل الباص إلى نقطة التفتيش، ويفتح السائق الباب ليهرع الضابط الذي كان جالسًا على كرسيه يحتسي الشاي ويبعد العنصر الذي طلب هويات الركاب عن الباب، ويسحب بعنف الشاب ذا القميص الأخضر خارج الباص ويدفع به نحو عنصر آخر آمرًا باحتجازه؛ ثم يصرخ «شو مفكرين حالكن انتو.. كيف بتطلعو هيك.. الواحد بيستأذن ع الحاجز» موجهًا الكلام للركاب الذين غطت ملامح الدهشة والأسى وجوههم، ويوضح لهم الدرس الذي فات الشاب -الذي ربما لا يزال غائبًا عن عائلته والتي لربما لم تعرف عائلته سبب اختفائه ذلك اليوم إلى الآن. فصعوده إلى الباص قبل أمتار من الحاجز وعلى مرأى من العناصر الموجودين هناك دون أخذ الإذن منهم هدد سلطتهم وأثار حفيظتهم، فهنا دمشق حيث «الواحد بيستأذن ع الحاجز».

تابعنا على تويتر


Top