فورد عندما تحدث زَيفًا (2)

معتز مراد

نتابع الحديث في تهافت رواية السفير الأسبق في سوريا روبرت فورد حيث يقول: «أشعر أحيانًا بالحيرة عندما تقول حكومات أجنبية أنها تريد تواصلًا أكثر من الولايات المتحدة في الملف السوري. ماذا يريدون حقًا؟ إذا كانوا يريدون ضربات عسكرية من طائرات إف-16 وطائرات من دون طيار، وهناك أصوات في واشنطن تريد ذلك، لكن حتى الآن لم يقدموا طرحًا يقنع المسؤولين الرفيعين لدى الإدارة الأمريكية بأن شن ضربات عسكرية سيؤدي إلى أهداف محددة.

وهنا يأتي السؤال إلى السيد فورد: ألا توجد قناعة عند القيادة الأمريكية أن تلك الضربات ستجبر نظام الأسد على الجلوس والتفاوض الحقيقي حول مستقبل سوريا وبدء الانتقال السياسي؟ بالطبع هي موجودة، والمجتمع الدولي راقب كيف ركع النظام على قدميه وتعهد بتسليم الكيماوي خلال زمن قياسي بعد أن تأكد أنّ ضربة عسكرية (تأديبية) قادمة. ولو زود المجتمع الدولي منذ أكثر من سنتين الجيش الحر بسلاح يمكّنه من فرض حالة ردع لكانت خارطة المشهد السوري مختلفة تمامًا عن الصورة الحالية. ولكن للأسف هذه هي السياسة المتبعة (سياسة التبرير ووضع العقبات والأسئلة التعجيزية) عندما تنعدم الرغبة في عمل شيء ما.

يتابع السيد فورد: «علي أن أكون صريحًا جدًا مع أصدقائي في المعارضة السورية: إذا قرر الرئيس (أوباما) غدًا أنّ 146 ألف قتيل أو أي عدد آخر، بات كافيًا ويتخذ قرارًا (حول ضربة عسكرية)، ماذا سيحدث الأسبوع المقبل؟ هل لدى المعارضة السورية تصور حول من سيتولى أي مناصب لإدارة الدولة، وما الإجراءات الضرورية لحماية الشعب وتوفير الأمن وتقديم الضمانات للعلويين والمسيحيين وغيرهم؟ ليست لدينا (هذه المقترحات) بعد. لقد أحرزوا الكثير من التقدم من حيث تحديد أفكارهم وهذا أمر جيد، لكنه ليس كافيًا. الإحباط الأكبر الذي شعرته من (محادثات) جنيف هو أن المعارضة السورية قدمت مقترحًا، إطار عمل لهيئة الحكم الانتقالي الذي كان من الممكن البناء عليه، ولكن النظام عطلها ورفض بحثها».

أين إذن واجب الأمم المتحدة في الدفاع عن كرامة الإنسان. ولماذا هذه الأمم المتحدة من أساسها إن كانت عاجزة عن التحرك في سبيل إنقاذ شعب أصبحت تجري من تحته أنهار من الدماء. وأنت يا سيد فورد تعترف أن المعارضة (مع كل مقومات الفشل المحيطة بها) من قلة دعم مادي وعسكري بشكل أساسي، قدمت إطار عمل لهيئة الحكم الانتقالي. فلماذا نتساءل إن كان لدى المعارضة تصور حول من يتولى مناصب إدارية في الدولة. وهل بناء السلطة يتم في العالم السياسي الافتراضي أم لابد من البدء والولوج في الواقع العملي. وهذه الحكومة المؤقتة وبإمكانيات بسيطة قد أعدت مناهج دراسية وهي على وشك فتح كليات لاختصاصات معينة. وبدأت تُصدِر أوراقًا للأحوال الشخصية. وكل ذلك لا يمكن البدء الواسع فيه إلا بدعم واعتراف دولي. وعندما يصبح بمقدور الحكومة والائتلاف الوطني إصدار جوازات سفر، وعندما تستطيع أركان الجيش الحر تزويد الألوية والكتائب بالسلاح والمال بشكل مستمر. عندها من المؤكد أنه سيكون هناك تطور في عمل المعارضة وقدرة على وضع الخطط والبرامج.

وأسأل السيد السفير، وبعد أن بان أن النظام هو سبب فشل محادثات جنيف وتعطيل الحل السياسي: هل ننتظر حتى يفنى الشعب السوري عن آخره، وهو ضحية نظام دولي ظالم على رأسه الولايات المتحدة الأمريكية.

يتابع فورد: «بغض النظر عما يحدث في أوكرانيا، وعلى الرغم من صعوبة الموضوع. لذلك علينا أن نفكر كيف نعود إلى الروس ونبحث طرح هيئة الحكم الانتقالي».

ولماذا كل هذا الارتهان للروس؟ ألم يخرج «خازوق» إقليم القرم من رأس الولايات المتحدة ورأس دول الاتحاد الأوروبي. ألم يظهر للعالم أن القيادة الروسية تتبنى تمامًا رواية النظام. ودعمت موقفه في جنيف في تغيير مجرى المفاوضات إلى محاربة الإرهاب وليس تشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات كما نص بيان جنيف. لماذا تصرون على العودة إلى الروس بعد كل هذا، أم أن أمريكا لا تملك إرادة فعل شيء حقيقي فتقذف الكرة في ملعب روسيا.

يقول السيد فورد: «لا أعتقد أن بشار الأسد سيتخلى عن السلطة إلا عندما يواجه أمرًا محسومًا، يمكن لبعض الجهات المرتبطة بالنظام التي لم تكن تصرفاتها دموية أن تكون جزءًا من هيئة حكم انتقالي، وأعتقد أن النظام يعلم ذلك ولهذا السبب رفضوا المفاوضات حول هذه القضية لأنه من الممكن أن يفقدوا السيطرة على الحكم بسرعة. بالطبع لا يمكن لي أن أذكر أسماء محددة لأننا لا نريد أن نعرض حياتهم للخطر».

لقد قلت حقًا أيها السفير، فالنظام لن يتخلى عن السلطة إلاّ إذا واجه أمرًا محسومًا. وهذا ما وقفت إدارة الرئيس أوباما بوجهه خلال ثلاث سنين. ووضعت كل حلول الملف السوري في يد القيادة الروسية التي لم تلاحظ في الثورة إلاّ الإرهاب والتطرف. ومع أنكم تعلمون أن أي شخصية محسوبة على النظام في هيئة الحكم الانتقالي غير متورطة بالدم ومقبولة لدى الطرف المعارض سوف تكون تحت الخطر الفعلي من قبل أجهزة مخابرات الأسد، إلاّ أنكم لازلتم تتحدثون عن الأفكار الخلاّقة.

يتابع فورد: «أكبر شكوى لي على عمل المعارضة السورية، رغم عملها الجيد، أنها لم تستطع أبدًا أن تفرّق بين ما تمثله هي وما يمثله تنظيم القاعدة. يجب أن يوضحوا أنهم لا يستهدفون العلويين أو المسيحيين أو أي طرف، بل إنهم يحاربون عائلة دمرت بلدنا».

مَن مِنَ المعارضين البارزين الذين التقيتهم يبرر قتل العلويين المدنيين (غير المحاربين)؟ وماذا تنتظرون من شعبٍ يُقتل بلهجة طائفية علوية لمدة ثلاث سنوات أن يفعل. هل نحاسب جبهة النصرة أو غيرها على خطف 90 علويًا «كرد فعل» بعد أن أصبح عشرات الألوف من المعتقلين والمفقودين في سجون النظام، مع الفارق الكبير في طريقة التعامل بين الطرفين مع معتقليهم. فنحن نشاهد كيف هي حال المخطوفين من الطائفية العلوية عند كتائب الجيش الحر (يعاملون كأسرى حرب بأقل تقدير). وبينت الصور المسربة منذ شهرين تقريبًا الويلات التي يعيشها من يصبحون في حوزة أجهزة النظام العسكرية والأمنية من قتل وتجويع وتصفية بأبشع الأشكال الممكنة.

سيد فورد: ألم تشاهدوا الحرب المفتوحة التي تشنها الثورة سياسيًا وعسكريًا وثقافيًا على تنظيم «داعش» والمدن التي تم طرده منها. ألم يكن خطاب المعارضة السورية التي ذهبت إلى جنيف أخيرًا واضحًا في أهدافه ومبادئه والأسس التي ينوي بناء الدولة السورية عليها. رغم ذلك لازلتم تعتبرونه طرفًا محسوبًا عليها. وبما يخص المسيحيين، ألم تراقبوا كيف عاملت جبهة النصرة (التي تختلف كثيرًا عن داعش) الراهبات المختطفات. وكيف كانت شهادة الراهبات نفسها بحقهم. وهل يمكن لك أن تذكر الحالات التي تم فيها استهداف المسيحيين بشكل واضح من قبل الثورة.

لا نبرر الاختطاف أبدًا، وألف لا لأي سلوكٍ يشبه سلوكيات النظام وينافي القيم والأخلاق والمبادئ الدينية السمحة، ولكنّ الثورة السورية ليست ثورة أنبياء، بل هي ثورة بشرية فيها كل ما يعتري الثورات من ضعف ومشاكل. ورغم ذلك تستمر الثورة عبر طيف واضح فيها بالتذكير دومًا بالمبادئ التي خرجت من أجلها في الحرية والكرامة ومحاربة الظلم والفساد تحت أي مسمى كان.

لقد تحدثت زيفًا أيها السفير بعد صمت طال، وليتك بقيت ساكتًا!.

تابعنا على تويتر


Top