فجوة .. لا بد من ردمها

عنب بلدي – العدد 110 ـ الأحد 30/3/2014

000_Nic6190964د. معتز محمد زين

(هذه المقالة موجهة لقادة الفصائل والكتائب المسلحة وخاصة الإسلامية منها)

لا يخفى على أحد الدور الكبير الذي يمارسه الإعلام اليوم في إدارة المعارك وتغيير موازين القوى وإثارة الجماهير أو تهدئتها. لقد تحول الإعلام إلى سلاح فعّال في أي معركة، بحيث لا تقل أهميته عن أهمية أي سلاح نوعي آخر لازم لتحقيق النصر العسكري والميداني، وبات واضحًا أن الضربات الإعلامية المتتالية والمركزة والمدروسة بعناية كفيلة بإسقاط أنظمة وتدمير مدن وتفكيك جيوش.

ولعله من الواضح جدًا، أن دولًا صغيرة الحجم، ضعيفة الإمكانات العسكرية، ساهمت إلى حد كبير من خلال آلتها الإعلامية الضخمة في إرباك –وأحيانًا هزيمة– دول كبيرة الحجم، عظيمة القدرات العسكرية. وكم من العمليات العسكرية الضخمة فشلت في إحداث الأثر المناسب معنويًا وميدانيًا وشعبيًا بسبب فشل التسويق الإعلامي لها، أو نجاح الإعلام المضاد بحرقها وتشويه صورتها، أو على الأقل التعتيم عليها.

وتجنبًا للإطالة، ولأنني أريد الوصول إلى نقطة عملية محددة، فإنني سأدخل بالموضوع مباشرة..

إن معظم الحركات الثورية –والإسلامية منها خاصة– تولي اهتمامها الأكبر، وأحيانًا الكامل، للتدريب والتسليح وتقوية الروح المعنوية للمقاتلين، ولا تعطي أي أهمية تذكر للإعلام. هذا الخطأ يتكرر منذ عقود، دون الانتباه إلى أن الإعلام يرسم تدريجيًا صورتها في أذهان الناس، هذه الصورة التي ستشكل الدافع الذي يحرك الناس للتفاعل مع هذه الحركات دعمًا وتعاطفًا وحماية، أو رفضًا وحصارًا ورفع غطاء. ومعروف أن الحاضنة الشعبية تعتبر مسألة وجود بالنسبة للحركات الثورية، لأن هذه الحركات لا تمتلك من العتاد الثقيل والقيادة المركزية والأرض المكشوفة الواسعة ما يعطيها الفرصة لكسب الصراع عبر معركة مفتوحة مع عدوها، لذلك لا بد لها من التغلغل بين صفوف الحاضنة الشعبية التي تعطيها الغطاء الأخلاقي والدافع المعنوي والدعم اللوجستي لاستمرار نضالها، وبناء عليه فإن عدم الاهتمام الكافي بالجانب الإعلامي والخطاب السياسي سيعطي الفرصة لوسائل الإعلام –والتي تقف وراءها دول وأجهزة مخابرات– بالتحكم شبه الكامل برسم صورة هذه الكتائب في ذهن حاضنتها الشعبية، وبالتالي سيكون لديهم القدرة –عندما تقتضي مصلحتهم- على محاصرة أي فصيل أو حركة ثورية وازنة، والضغط عليها إعلاميًا وتشويه صورتها وإبراز أخطائها وتضخيم هفواتها وإيقاف الدعم الشعبي لها وإحداث الانقسام فيها.

من أجل ذلك، فإنني أدعو قادة الفصائل الثورية المهمة –وخاصة الإسلامية منها– للمسارعة إلى تشكيل هيئة إعلامية تشكل الجناح الإعلامي والسياسي للفصيل، لا يقل تعداد عناصرها عن العشرات يتوزعون بين الداخل والخارج، مهمتها الأساسية إدارة المعركة السياسية والإعلامية، وإبراز الجوانب المشرقة للثورة والثوار، ورسم صورة إعلامية مناسبة لكسب الرأي العام العربي والعالمي، ومحاصرة الأخطاء الميدانية إعلاميًا.

ومن أجل ذلك لا بد من اختيار عدد محدود من الشخصيات، تشكل الناطق الرسمي باسم الكتيبة أو الجبهة، ويكون لها الحق الحصري بالتعبير عن رأي هذا الفصيل، ويعمل كادر المكتب الإعلامي على جمع المعلومات السياسية والأخبار والإحصاءات والمقالات والأحداث المهمة والتصريحات والبيانات ووضعها بين يدي هذه الشخصيات بحيث تشكل مادة إعلامية لها، كما يتم إمدادهم بمنشورات يومية حول النشاطات الميدانية المختلفة (العسكرية والإغاثية والطبية…) لهذا الفصيل، ويكون من مهام هذه الشخصيات الأساسية إدارة الحوارات التي تتناولها وسائل الإعلام حول الثورة السورية.

ويجب أن تتمتع هذه الشخصيات ببعض المميزات على رأسها: درجة عالية من الثقافة، مظهر لائق، إجادة اللغة العربية، حضور إعلامي آسر، وألا تقتصر على لون طائفي أو ديني أو حزبي معين، وإنما تشمل أطيافًا مختلفة من المجتمع السوري، وخاصة الشخصيات غير المسلمة المعروفة بدعمها للثورة.

إن وجود كتيبة إعلامية متخصصة داخل الحركة الثورية توازي بأهميتها -وربما تفوق- أهمية وجود كتيبة مسلحة ومدربة، وإن نجاح هذه الكتيبة في تأدية مهامها وتسجيل حضور مهم على وسائل الإعلام المؤثرة سيشكل درعًا واقيًا لحماية المكتسبات العسكرية والميدانية، ولتسهيل الطريق أمام استمرارها وتقدمها، وسيوسع من قاعدتها الشعبية، ويقلل من قدرة مخابرات النظام والدول الأخرى على إضعاف هذا الفصيل أو محاصرته والقضاء عليه، وبدونها سيسهل تصفية أي فصيل وتمزيقه وتفكيكه وتشويه صورته عندما تقتضي مصلحة الدول الفاعلة إعلاميًا ذلك، أو عندما يتعارض مسار الثورة مع الرؤية السياسية لدولها.

تابعنا على تويتر


Top