نحو ثورة اجتماعية شاملة

شيخي.. فليكن لحمك مسمومًا بحقّ!

حنين النقري – دوما

“لحم العلماء مسموم» مقولة تتردد على مسامعنا مذ بدأ إدراكنا للأمور يتشكّل، مذ بدأنا نطرح الاسئلة وننتقد، تقدّم لنا على أنها حديث شريف ممن لا ينطق عن الهوى -صلوات الله عليه-، فتجعل كل نقد وكل محاولة للاستيضاح أو التبيّن من صاحبها شخصًا مارقًا خارجًا عن الدين مستبيحًَا للحمٍ مسموم، مهما كان الأمر غير منطقي، مهما كان الخلل جوهريًا ومحوريًا لا يحقّ لك الإشارة إليه أو الكلام عنه، لأن لحم العلماء مسموم…

طبعًا كانت هذه العبارة من أكثر ما سمعناه في الثورة ايضًا، فخذلان المشايخ لنا ومحاولتنا للاعتراض على هذا الصمت المخزي كانت تقابل بكلمات من قبيل «لا نعلم ما وجهة نظرهم في الموضوع، أكيد لديهم حجة قوية، أهل الله عندهم بصيرة ويرون ما لا نرى، لا تتجرأ على من يفوقونك قدرًا وعلمًا، لا تتطاول، لحوم العلماء مسمومة.. الخ»

وهل لنا إذا قال رسول الله  إلا أن نجيب بالطاعة….

لكن هل قال ذلك حقّا؟!

بالبحث والتقصّي كانت المفاجأة، فلحم العلماء مسموم عند ابن عساكر، لا في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم،

يقول ابن عساكر في كتابه «تبيين كذب المفتري»: «واعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء رحمة الله عليهم مسمومة وعادة الله في هتك أستار  منتقصيهم معلومة، لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمره عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم»

فالمقولة إذن لا تعود للنبي صلى الله عليه وسلم، مما لا يجعلها كلامًا مقدّسًا يحرم تجاوزه، هذا أولًا

الأمر الثاني الذي يجب أن نلاحظه هو السياق الذي وردت فيه هذه العبارة، لم يكن المقصود التقديس وعدم الانتقاد وكونهم معصومين، بل كان المقصود هو عدم رميهم بما هم منه براء، عدم الخوض في اعراضهم، وهي أمور محرمة علينا تجاه العلماء والعوام على حدّ سواء، فلحومنا جميعًا في هذا المقياس مسمومة

وهذا لا يرفع أحدًا عن الانتقاد، ولا يستثني أحدًا من إشارة استفهام حول فعله، أو بالاحرى.. حول عدم فعله عندما يتوجّب عليه الفعل!

لن تشفع له مجلّداته التي جاد علينا بها، إن لم يطبق هو ما بها!!

لن يشفع له كلامه عن جهاد الرسول -صلوات الله عليه-، إن كان ينكر علينا جهادنا اليوم

لن ينفع دمعه الذي سال أمامنا على المنابر، إن لم ينتفض لدم يسيل كل يوم وكل ساعة

ولن نغفر صمته، ليس معصومًا لئلا ننتقده، من يحاسب على النوايا هو الخالق، ما نراه هو اللافعل، أمام التضحيات والملاحم!

ما ثمّة عصمة لبشري بعد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، كل من أتى بعده قابل للنقد، قابل للمراجعة، كل جهد بشري أنتجه عقل بشري غير معصوم هو جهد قابل للتساؤل والنقد…

مقولة كمقولة ابن عساكر في القرن السادس الهجري رسّخت هالة التقديس وأماتت التساؤل في مجتمعاتنا وعقولنا، ولنا أن نجزم أن المستفيد الوحيد منها هم من يريدون أن يكونوا خارج دائرة النقد، أن يقولوا فيُسمَعوا، ويفعلوا فلا يُسألوا، عن شيوخ السلاطين نتحدث، إن كان الفاروق عمر صاحب رسول الله وأمير المؤمنين اعترف بخطئه على المنبر فقال «أصابت امرأة وأخطأ عمر» فأي مكانة تلك التي تعفي صاحبها من الانتقاد؟

محبتنا واحترامنا للشيخ والعالم، لا تعني ألا نحكّم عقلنا في ما يقول، لا تعني أن كل ما يقوم به صواب، لا تعني أن صمته أمام المجازر مبرر، ولا تعني أن الاعتداء عليه بالضرب من قبل الشبيحة يجب أن ينتفض له أكثر من مذبحة وحشية بحق الأطفال والنساء والشيوخ!

روحك يا شيخي ليست أغلى من روح طفل في الحولة، تطبيقك لما علمتنا إياه سيجعلنا أكثر إيمانًا به، الخوف الحقيقي يا شيخي هو على صورة بدأت تهتز لعلماء الدين، الدين الذي اكتشفنا مؤخّرا أنه ثورة قبل كل شيء، في ظل الصمت غير المبرر، غير المبرر على الإطلاق..

إن كان لحمك يا شيخي مسمومًا بحقّ، فاجعله زقّوما يميت الظالم، لا سُمًّا نموت نحن بزعافه مع كل قطرة دم تسيل فنأسف أن سمعنا لدروسك يومًا… تلك التي أخبرتنا بها عن الجنة والشهادة،  وأن الدنيا ليست بدار بقاء؛ أتذكر؟!

تابعنا على تويتر


Top