إذًا.. سجّل.. أنا القاتل.. دماء أطفالنا حبل سيطوّق رقاب الصامتين..

-بلدي-العدد-الثامن-عشر-الأحد-3-حزيران-2012.pdf-Page-8-image-1.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد الثامن عشر – الأحد – 3-6-2012

 

            كلما كبرت نما بداخلي ذاك الطفل الصغير، أحلامه ما زالت تملأ شعاب حياتي حيرة، وددت لو أنني متّ قبل هذا اليوم، أو كنت نسيًا منسيًّا، أو كان ذاك الطفل طيفًا يراود آخر غيري، لأنه لم يبقَ على دفنه لي سوى أيام، لحظات أو ربما ثوانٍ معدودة، فطيفه يسخر من دروبي التي ملأتُها حنظلًا وأشواكًا، من الزيف الذي عشتُه طيلة أيام شبابي في محاولة يائسة مني لأقطع أوصال الحقيقة، ولأُسدل ستار العتمة على حياتي، فلا أرى نور الحقيقة، فموقد الخير إن أُسرج فسأدفع أنا ثمن زيته، ولم أشأ أن أكون الضحيّة، فآثرتُ الصمت، وما زلت حتى الآن صامتًا، وعلى قتل طيف ذاك الطفل داخل أحلام بني قومي شاهدًا.

كلما استلقيت لأسرق لحظات نوم، عدت بأحلامي فعشت مع ذاك الطفل كل براءته، صوت ضحكاته وهو يلاحق قط الحي المختبئ في الزوايا بانتظار طعام يأتيه، وأشعر وكأن عصاه التي يمسكها بيده يلاحق بها دجاجات جدته، وكأنها توخز جسدي الآن، ثم يركض مسرعًا ليحفظ الشعر وآيات من القرآن، يمليها على والده حال عودته مساء، وإلا فالعقوبة بانتظاره، ثم أصحو على ألم يتسلل إلى قدماي من خيزرانة والده، فيوقظني صوت الخيزرانة من حلمي، فأرتد بصيرًا، بعد أن التجأت إلى محراب يؤويني من مرارتي، ويشفيني من تجربة الواقع التي كأسها علقم مر، وطريقها وحل وطين.

أحاول أن أطرد صورتي هذي، فإذا بها تطاردني، فتملأ فجاج حياتي شقاء، إذ لم تعد بيدي حيلة، أأقف صامتًا أمام طيف ذاك الطفل، وهو يتوسل إلى أن أحمي أصدقاءه، وألا أتركهم يتحولون إلى طيف عابر عند الصامتين، أم أنفض غبار الصمت عن أفكاري، فأتحرر من خوفي وأمسك بيد أولئك الأطفال، علني أنقلهم إلى بر الأمان، فأخلّصهم من أدران نظام يُفرّغ جلّ نقمته بهم، محاولًا أن يقتل كل من سيقول مسستقبلًا: «حيّ على الثورة».

أعرف يقينًا أن هؤلاء الأطفال تكفيهم لقيمات يقمن بهن أصلابهم، ولكنني ما عساي فاعل؟

أأكتب كلمات بدموعي أمام هذا المشهد المروّع لهؤلاء الأطفال؟ أم أسلك درب المنافقين فأحتسي جرعة إضافية من المخدّر، ربما أنام ريثما يُنهي النظام جرائمه، أو ربما ريثما يغادر طيف هؤلاء الأطفال من مخيّلتي، فأصحو بعدها لأعيش بهناء على أرض ستزهر ورودها بعد أن تنتعش بدماء أبنائها وأطفالها حتى الرضّع منهم، أم أبدأ برجم نفسي بحجارة قبل أن يفعلها بي الأحرار الذين رفضوا الصمت، ذاك الدرب الذي سلكته أنا، إذ كنت ابرّر لنفسي وأنا أرى جسدي بعين خيالي معلّقًا في ساحة المرجة، ثم أسأل نفسي، هل تنتصر الثورة على جثتي؟ أم بكلماتي التي أخنقها فأحوّلها إلى عَبرات تتحشرج في صدري.

وكلما تعمّقتُ أكثر في أفكاري لأتمكّن من أخذ قرار حاسم، وموقف واضح، يعود لي طيف ذاك الطفل، وقد وضع روحه على طرف ريشتي، يتوسّل إلي أن أكتب عن الحقيقة، وأن أظل بريئًا مثله.

لذا قرّرتُ أن أقولها وبصدق هذه المرة، ولكن اعذروني يا أطفال سوريا..وسجّلوا..فأنا القاتل…ودماؤكم ستبقى حبلًا يطوّق رقبتي ورقاب الصامتين مثلي.

تابعنا على تويتر


Top