النازية وتدمير الهوية السورية

عنب بلدي – العدد 112 ـ الأحد13/4/2014

603074_396485560439248_423967772_nعلي فرات

لم تستطع الحقب المتراصفة منذ نهاية الحكم العثماني إلى اليوم أن ترسخ هوية وطنية سورية ثابتة تصمد لمتغيرات البلاد المنتظرة وغير المنتظرة…

جاء الحكم الفيصلي بعقلية استمرار الحقبة العثمانية بلون عربي إسلامي، محكوم من مكة المكرمة، لكن الإنكليز سرعان ما رفضوا هذه الاستمرارية مع الفرنسيين بمؤتمر سايكس بيكو الشهير، مع إعطاء جوائز ترضية لأولاد الشريف حسين ومنهم فيصل الذي أصبح ملكًا شكليًا على سوريا.

بعد طرد الملك فيصل ومجيء الفرنسيين، اجتمع السوريون على ثابت واحد هو الاستقلال عن فرنسا وتثبيت الهوية العربية السورية بأبعاد أقل ضخامة وأضيق اتساعًا عن ذي قبل، حيث أن الأقليات كان لها دورًا مهمًا في محاربة المستعمر.

ومع نهاية فترة الاستعمار الفرنسي بدأت تتبلور قوى جديدة في المجتمع السوري هي القوى الدينية، بانتشار الإخوان المسلمين، والحركات القومية العربية والقومية السورية، لكن هذه القوى، التي كانت ماتزال بذورًا نامية نشأت وتبلورت تحت تأثير الفكر النازي الذي كان يجوب أنحاء أوربا، هذه النار النازية كانت أهم مؤثر في فترة ما بعد الاستقلال بالإضافة إلى الحركة الشيوعية التي كانت معادية للنازية، لكن تستمد منها روحها الاستبدادية المحتقرة للناس ولعقول الناس وأهم طروحاتها السياسية هي ديكتاتورية البروليتاريا.

الانقلابات العسكرية، التي بدأت مع انقلاب حسني الزعيم عام 1949، كانت من أهم العوامل المساعدة لإزاحة القوى الشعبية والوطنية التي أنجزت الاستقلال وبدأت ببناء دولة تحبو باتجاه الديمقراطية، وهي كانت مبشرة وتبعث على الأمل لدى الشعب السوري وحتى في العالم العربي حيث كانت سوريا تلقب بأنها سويسرا العرب.

لكن الطوفان الاستبدادي بأشكاله الدينية والقومية والأممية سرعان ما تصاعد دخانه الأسود الخانق مع إعلان الوحدة السورية المصرية عام1958، حيث كانت القومية أكثر نضوجًا والعسكر أكثر كفاءة في خنق المجتمع وأكثر براعة في ابتكار الأهداف القومية والوطنية، التي تلهي الناس عن الخوض في شؤونهم وشؤون حكمهم وكيفية التعاطي بين الحاكم والمحكوم.

حركة الإخوان المسلمين سرعان ما تصاعد نموها وبدأ خطابها على يد سيد قطب الذي وصل إلى جوهر الخطاب الديني «المتشدد» وهو القول بجاهلية الشعب وتكفير الدولة.

الحركة القومية السورية كانت أكثر إخلاصًا للحركات النازية الغربية بفرض ألوهية الزعيم وفرض الماضي كقدوة، بدلاً من المستقبل فالقيم السورية العريقة هي جوهر وجودنا ولا قيمة لنا بدونها أبدًا وبالتالي فما على السوريين إلا الانتشار في المقابر والمواقع الأثرية لإعادة انبعاث الجوهر السوري الخالد الراسخ في خرائط متعددة تمتد من قبرص إلى العراق.

أمّا الحركة القومية العربية المتمثلة بحزب البعث والاتحاد الاشتراكي وما شابههما فكانت أكثر عملية إذ استولت على الحكم بقبضة فولاذية لتشق الطريق إلى انبعاث القائد النازي العربي مجسدًا في الواقع بشخص حافظ الأسد الذي كان «الأب القائد» و «باني الأمة وصانع المعجزات ومحقق الانتصارات».

كان الخطاب القومي البعثي، المعلن هو توحيد العالم العربي من موريتانيا إلى الخليج العربي مرورًا بالسودان والصومال وجزر القمر، أما الخطاب الضمني فهو تكوين مافيا متماسكة وشديدة الصلابة تصمد أمام مختلف المتغيرات المحتملة في الشارع السوري.

ولقد كانت هذه المافيا إنجازًا حقيقيًا رغم فجائعيته المذهلة التي نلمسها -بل نكتوي بها- اليوم، فالمافيا الحاكمة استطاعت أن تتخطى مختلف المعوقات السياسية والاجتماعية والأخلاقية في سبيل استمرارها بتوحش فاق بذرتها النازية التي كانت أهدافها منصبة على تدمير المجتمعات المعادية وغير النازية.

وتحقق هذه المافيا كل إمكاناتها وكل انتصاراتها المذهلة اليوم ضد المجتمع الذي أنبتها وليس ضد معوقي فكرة توحيد موريتانيا مع الصومال أو ضد معادي فكرة الدولة الخالدة، فشخص قائد المافيا هو التجلي الوثني والباعث على استنهاض كل القوى الجبارة الكامنة في أتباعه، وتجليه واستمرار وجوده أهم من العروبة وأهم من سوريا وأهم من كل القيم التي طالما تغنّت بها وسائل الإعلام في نعيق لا ينتهي طوال الأربعين سنة الماضية.

كل القوى التي نشأت إبان الاستعمار الفرنسي وبعده لم تأخذ بعين الاعتبار الوجود السوري والمواطن السوري الذي يأكل ويشعر ويتعلم ويحلم.

فالإخوان المسلمين كانوا يحلمون بالدولة الإسلامية الممتدة حتى إندونيسيا، والشيوعيون كانوا يحلمون بدولة البروليتاريا المنبثقة من الاتحاد السوفييتي الصديق، والقوميون السوريون كان التاريخ والجوهر السوري أهم من الإنسان السوري لديهم، وشخص الزعيم يعلو على الأهداف والقيم الأخرى، والقوميون العرب كانوا هم المهشمون العمليون لفكرة المواطن السوري وبالتالي هم المنجزون العمليون لتدمير الهوية السورية.

فلا عجب اليوم أن نرى الخطابات والتجمعات العشائرية والطائفية والمناطقية هي ملاذ المواطن السوري، الذي لم يكتف النظام بتدمير هويته الوطنية بل إنه يعمل على تدمير الوجود السوري برمته وبكل أبعاده الأخلاقية والإنسانية ناهيك عن تمزيق هويته الوطنية.

تابعنا على تويتر


Top